تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
العشق الملتهب : لم يأسر جمال يوسف الملكوتي عزيز مصر فحسب ، بل أسر قلب امرأة العزيز كذلك وأصبح متيّماً بجماله . وامتدّت مخالب العشق إلى أعماق قلبها ، وبمرور الزمن كان هذا العشق يتجذّر يوماً بعد يوم ويزداد إشتعالًا . . . لكنّ يوسف هذا الشاب الطاهر التقي ، لم يفكّر بغير اللَّه ، ولم يتعلق قلبه بغير عشق اللَّه سبحانه . وهناك أمور أخرى زادت من عشق امرأة العزيز ليوسف . . . فمن جهة لم تُرزق الولد ، ومن جهة أخرى إنغمارها في حياة مترفة مفعمة بالبذخ . . . ومن جهة ثالثة عدم إبتلائها بأيّ نوع من البلاء كما هي حال المتنعمين ، وعدم الرقابة الشديدة على هذا القصر من قبل العزيز من جهة رابعة . . . كل ذلك ترك امرأة العزيز - الفارغة من الإيمان والتقوى - تهوي في وساوسها الشيطانية إلى الحضيض ، بحيث أفضت ليوسف أخيراً عمّا في قلبها وراودته عن نفسه . واتّبعت جميع الأساليب والطرق للوصول إلى هدفها ، وسعت لكي تلقي في قلبه أثراً من هواها وترغيبها وطلبها ، كما يقول عن ذلك القرآن الكريم : « وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ » . وجملة « راودته » : مأخوذة من مادّة « المراودة » وأصلها البحث عن المرتع والمرعى ، ثم توسّعوا في هذا اللفظ فاطلق على كل ما يُطلب بالمداراة والملاءمة . وهذا التعبير يشير إلى أنّ امرأة العزيز طلبت من يوسف أن ينال منها بطريق المسالمة والمساومة وبدون أي تهديد ، وأبدت محبتها القصوى له بمنتهى اللين . وأخيراً فكّرت في أن تخلو به وتوفّر له جميع ما يثير غريزته ، من ثياب فضفاضة ، وعطور عبقة شذية ، وتجميلات مرغبة ، حتى تستولي على يوسف وتأسره . يقول القرآن الكريم : « وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ » . « غلّقت » : تدل على المبالغة وأنّها أحكمت غلق الأبواب . وفي هذه الحال ، حين رأى يوسف أنّ هذه الأمور تجري نحو الإثم ، ولم ير طريقاً لخلاصه منها ، توجّه يوسف إلى زليخا و « قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ » . وبهذا الكلام رفض يوسف طلب امرأة العزيز غير المشروع . وبهذه الجملة اعترف يوسف بوحدانية اللَّه تعالى من الناحية النظرية ، وكذلك من الناحية العملية أيضاً ، ثم أضاف : « إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ » . . . أليس التجاوز ظلماً وخيانة واضحة « إِنَّهُ لَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » . وهنا يبلغ أمر يوسف وامرأة العزيز إلى أدقّ مرحلة وأخطرها ، حيث يعبّر القرآن عنه تعبيراً ذا مغزى كبير « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّءَا بُرْهنَ رَبِّهِ » .