تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
إنّ امرأة العزيز كانت تريد أن تقضي وطراً مع يوسف ، وبذلت وسعها في ذلك ، وكاد يوسف يستجيب لرغبتها بطبيعة كونه بشراً شابّاً لم يتزوج ويرى نفسه إزاء المثيرات الجنسية وجهاً لوجه . . . لولا أن رأى برهان اللَّه . . . أي روح الإيمان والتقوى وتربية النفس ، أضف إلى كل ذلك مقام العصمة الذي كان حائلًا دون هذا العمل . الطريف أنّ هذا التفسير نقل عن الإمام الرضا عليه السلام في عيون الأخبار للصدوق رحمه الله باسناده إلى علي بن الجهم قال : حضرت مجلس المأمون وعنده الرّضا عليه السلام فقال له المأمون : يا بن رسول اللَّه أليس من قولك : أنّ الأنبياء معصومون ؟ قال : « بلى » . قال المأمون : فما معنى قول اللَّه عزّ وجلّ إلى أن قال : فأخبرني عن قول اللَّه تعالى « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّءَا بُرْهنَ رَبِّهِ » . فقال الرّضا عليه السلام : « لقد همّت به ، ولولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها كما همّت به ، لكنّه كان معصوماً والمعصوم لا يهُمّ بذنب ولا يأتيه » . فقال المأمون : للَّه‌درُّك يا أبا الحسن . والآن لنتوجّه إلى تفسير بقية الآية إذ يقول القرآن المجيد : « كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ » . وهي إشارة إلى أنّ هذا الإمداد الغيبي والإعانة المعنوية لإنقاذ يوسف من السوء والفحشاء من قبل اللَّه لم يكن إعتباطاً ، فقد كان عبداً عارفاً مؤمناً ورعاً ذا عمل صالح طهّر قلبه من الشرك وظلماته . وبيان هذا الأمر يدل على أنّ مثل هذه الإمدادات الغيبية ، في لحظات الشدة والأزمة التي تدرك الأنبياء - كيوسف مثلًا - غير مخصوصة بهم ، فإنّ كل من كان في زمرة عباد اللَّه الصالحين المخلصين فهو جدير بهذه المواهب أيضاً . العفة والمتانة في البيان : من عجائب القرآن وواحدة من أدلّة الإعجاز ، أنّه لا يوجد في تعبيره ركّة وإبتذال وعدم العفة وما إلى ذلك ، كما أنّه لا يتناسب مع أسلوب الفرد العادي الامّي الذي تربّى في محيط الجاهليّة ، مع أنّ حديث كل أحد يتناسب مع محيطه وأفكاره . وبين جميع قصص القرآن وأحداثه التي ينقلها توجد قصة غرام وعشق واقعية ، وهي قصة ( يوسف وامرأة عزيز مصر ) . قصة تتحدّث عن عشق امرأة جميلة والهة ذات أهواء جامحة لشاب جميل طاهر القلب . ولكن القرآن يمزج في رسم هذه الميادين الحسّاسة من هذه القصة - بأسلوب معجب - الدقة في البيان مع المتانة والعفة ، دون أن يغض الطرف عن ذكر الوقائع ، أو أن يظهر العجز ، وقد استعمل جميع الأصول الأخلاقية والأمور الخاصة بالعفة .