تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
هذا الصدد : « فَلَا تَكُ فِى مِرْيةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُهُم مِّن قَبْلُ » « 1 » . ويقول بعدها مباشرة : « وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ » . إنّ هذه الآية تجسّم هذه الحقيقة ، وهي أنّ ما قرأناه من قصص الأمم السابقة لم يكن أسطورة ، كما أنّها لا تختص بالماضين ، فهي سنّة أبدية وخالدة وهي لجميع الناس ماضياً وحاضراً ومستقبلًا . ويسلّي القرآن قلب النبي صلى الله عليه وآله مرّة أخرى ، فيحدّثه عن موسى وقومه قائلًا : « وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ » . ويقول إذا ما رأيت أنّ اللَّه لا يعجل العذاب على قومك ، فلأنّ مصلحة الهداية والتعليم والتربية لقومك توجب ذلك وإلّا فإنّ القرار الإلهي المسبق يقتضي التعجيل بعملية التحكيم والقضاء وبالتالي إنزال العقاب « وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكّ مِّنْهُ مُرِيبٍ » . « مريب » : مشتقة من « الريب » ومعناه الشك المقترن بسوء الظن والنظرة السيئة والقرائن المخالفة ، وعلى هذا فيكون مفهوم هذه الكلمة أنّ عبدة الأصنام ما كانوا يترددون في مسألة حقيقة القرآن أو نزول العذاب على المفسدين فحسب ، بل كانوا يدّعون بأنّ لديهم قرائن تخالف ذلك أيضاً . ويضيف القرآن لمزيد التأكيد : « وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ » . وهذا الأمر ليس فيه صعوبة على اللَّه ولا حرج إذ : « إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » . الطريف أنّ القرآن يقول : « لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ » ليشير مرّة أخرى إلى مسألة تجسم الأعمال وأنّ الجزاء والثواب هما في الحقيقة أعمال الإنسان نفسه التي تتخذ شكلًا آخر وتصل إليه ثانية . وبعد ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة ورمز نجاحهم ونصرهم ، وبعد تسلية قلب النبي صلى الله عليه وآله وتقوية إرادته ، يبيّن القرآن - عن هذا الطريق - أهمّ دُستور امر به النبي صلى الله عليه وآله وهو « فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ » . « استقم » في طريق الإرشاد والتبليغ وأداء الوظائف الإلهية ونشر التعليمات القرآنية . ولكن هذه الإستقامة ليست لينال فلان أو فلان مستقبلًا زاهراً ، بل هي لمجرد طاعة اللَّه
هامش
( 1 ) « المِرية » : معناها التردد في التصميم على أمر ما . . . .