تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
المنطق الواهي : والآن فَلنَر ما كان ردّ القوم اللجوجين إزاء نداء هذا المصلح السماوي « شعيب » . فبما إنّهم كانوا يتصورون أنّ عبادة الأصنام من آثار سلفهم الصالح ، ودلالة على أصالة ثقافتهم ، وكانوا لا يرفعون اليد عن الغش في المعاملة وتحقيق الربح الوفير عن هذا الطريق قالوا : « يَا شُعَيْبُ أَصَلَوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا » . ونترك حريتنا في التصرف بأموالنا فلا نستطيع الاستفادة منها « أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشؤُا » . إنّ هذا بعيد منك « إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ » . لقد كان قوم شعيب واقعين في مثل هذا الخطأ حيث كانوا يتصورون أنّه من الخطأ القول بتحديد التصرف بالأموال من قِبَل مالكيها ، في حين يجب أن تكون الأمور المالية تحت ضوابط صحيحة ومحسوبة كما عرضها الأنبياء على الناس ، وإلّا فستجرّ الحرية المطلقة المجتمع نحو الانحراف والفساد . وعلى كل حال هؤلاء الأغنياء فلعلهم كانوا يتصورون متساءلين : إنّ هذه الأذكار والأدعية ما عسى أن تؤثر في هذه الأمور ؟ على حين لو كان أولئك يفكرون جيداً لأدركوا هذا الأمر الواقعي وهو أنّ الصلاة توقظ في الإنسان الإحساس بالمسؤولية والتقوى ومخافة اللَّه ومعرفة الحقوق ، وتذكره باللَّه وبمحكمة عدل اللَّه ، ولذلك فهي تخلّصه من الشرك وعبادة الأصنام والتقليد الأعمى للسلف الجاهل وبخس الناس أشياءهم ، وعن أنواع الغش والخداع . . . الخ . ولكن شعيباً ردّ على من اتّهمه بالسفه وقلة العقل بكلام متين و « قَالَ يَا قَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيّنَةٍ مِّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا » . ثمّ يضيف هذا النبي العظيم قائلًا : « وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهكُمْ عَنْهُ » . فلا تتصوروا أنّني أقول لكم لا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تنقصوا المكيال ، وأنا أبخس الناس أو أنقص المكيال ، أو أقول لكم لا تعبدوا الأوثان وأنا أفعل ذلك كله ، كلا فإنّني لا أفعل شيئاً من ذلك أبداً . ويستفاد من هذه الجملة أنّهم كانوا يتهمون شعيباً بأنّه كان يريد الربح لنفسه ، ولهذا فهو ينفي هذا الموضوع صراحةً ويقول تعقيباً على ما سبق « إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلحَ مَا اسْتَطَعْتُ » . وهذا هو هدف الأنبياء جميعاً ، حيث كانوا يسعون إلى إصلاح العقيدة ، وإصلاح الأخلاق ، وإصلاح العمل ، وإصلاح العلائق والروابط الاجتماعية وأنظمتها « وَمَا تَوْفِيقِىإِلَّا