تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
المقابل لتأكيد الأمر ، فقالت الآية : « وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . « الحنيف » : تعني الشخص الذي يميل ويتحول عن طريق الانحراف إلى جادة الصواب والاستقامة . وبعد الإشارة إلى بطلان الشريك بالدليل الفطري ، تشير إلى دليل عقلي واضح ، فتقول : « وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَايَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ » . إذ تكون قد ظلمت نفسك ومجتمعك الذي تعيش فيه . وهنا أيضاً لم تكتف الآية بجانب النفي ، بل إنّها تؤكّد إضافةً إلى النفي على جانب الإثبات فتقول : « وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ » ، وكذلك « وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ » لأنّ عفوه ورحمته وسعت كل شيء « وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » . قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 108 ) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ( 109 ) الكلمة الأخيرة : هاتين الآيتين تضمّنت إحداهما موعظة ونصيحة لعامة الناس ، واختصت الثانية بالنبي صلى الله عليه وآله وقد كملتا الأوامر والتعليمات التي بيّنها اللَّه سبحانه على مدى هذه السورة ومواضعها المختلفة . وبذلك تنتهي سورة يونس . فتقول أوّلًا ، وكقانون عام : « قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ » . هذه التعليمات وهذا الكتاب السماوي ، وهذا الدين وهذا النبي كلها حق ، والأدلّة على كونها حقّاً واضحة ، وبملاحظة هذه الحقيقة : « فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ » . أي إنّي لست مأموراً بإجباركم على قبول الحق ، لأنّ الإجبار على قبول الإيمان لا معنى له ، ولا أستطيع إذا لم تقبلوا الحق ولم تؤمنوا أن أدفع عنكم العذاب الإلهي ، بل إنّ واجبي ومسؤوليتي هي الدعوة والإبلاغ والإرشاد والهداية والقيادة . ثم تبيّن وظيفة وواجب النبي صلى الله عليه وآله في جملتين : الأولى « وَاتَّبَعَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ » . فإنّ اللَّه قد حدّد مسيرك من خلال الوحي ، ولا يجوز لك أن تنحرف عنه قيد أنملة . والثانية : إنّه ستعترضك في هذا الطريق مشاكل مضنية ومصاعب جمة ، فلا تدع للخوف
مختصر الامثل — صفحة 369 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي