تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
وَتُزَكّيهِم بِهَا » . فهي تطهرهم من الرذائل الأخلاقية ، ومن حبّ الدنيا وعبادتها ، ومن البخل وغيره من مساوىء الأخلاق ، وتزرع مكانها خلال الحب والسخاء ورعاية حقوق الآخرين في نفوسهم . وفوق كل ذلك فإنّ المفاسد الاجتماعية والانحطاط الخلقي والاجتماعي المتولد من الفقر والتفاوت الطبقي والذي يؤدّى إلى وجود طبقة محرومة ، كل هذه الأمور ستقتلع بتطبيق هذه الفريضة الإلهية وأدائها . ثم تضيف الآية في خطابها للنبي صلى الله عليه وآله بأنّك حينما تأخذ الزكاة منهم فادع لهم « وَصَلّ عَلَيْهِمْ » . إنّ هذا يدل على وجوب شكر الناس وتقديرهم ، حتى إذا كان مايؤدونه واجباً عليهم وحكماً شرعياً يقومون به ، وترغيبهم بكل الطرق ، وخاصة المعنوية والنفسية . في المجمع روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : « اللّهمّ صلّ عليهم » . ثم تقول الآية : « إِنَّ صَلَوتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ » لأنّ من بركات هذا الدعاء أن تنزل الرحمة الإلهية عليهم ، وتغمر قلوبهم ونفوسهم إلى درجة أنّهم كانوا يحسون بها . وفي نهاية الآية نقرأ : « وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » وهذا الختام هو المناسب لما سبق من بحث في الآية ، إذ إنّ اللَّه سبحانه يسمع دعاء النبي صلى الله عليه وآله ، ومطلع على نيات المؤدين للزكاة . ولما كان بعض المذنبين - كالمتخلفين عن غزوة تبوك - يصرّون على النبي صلى الله عليه وآله في قبول توبتهم ، أشارت الآية الثانية من الآيات التي بين يدينا إلى أنّ قبول التوبة ليس مرتبطاً بالنبي صلى الله عليه وآله ، بل باللَّه الغفور الرحيم ، لذا قالت : « أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ » . ولا ينحصر الأمر بتوقف قبول التوبة على قبول اللَّه لها ، بل إنّه تعالى هو الذي يأخذ الزكاة والصدقات الأخرى التي يعطيها العباد تقرباً إليه ، أو تكفيراً لذنوبهم : « وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ » . إنّ هذا التعبير من ألطف التعبيرات التي تجسّد عظمة هذا الحكم الإسلامي - أي الزكاة - فبالرغم من ترغيب كل المسلمين ودعوتهم إلى القيام بهذه الوظيفة الإلهية الكبيرة ، فإنّها تحذرهم بشدّة وتأمرهم بأن يراعوا الآداب الإسلامية ويتقيّدوا باحترام من يؤدّونها إليه ، لأنّ من يأخذها هو اللَّه عزّ وجل . في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال : « إنّ الصدقة تقع في يد اللَّه قبل أن تصل إلى يد السائل » . وفي تفسير العياشي عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « ما من شيء إلّاوكّل به ملك إلّاالصدقة فإنّها تقع في يد اللَّه » .
مختصر الامثل — صفحة 308 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي