تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
ثمّ تضيف الآية بأنّ في المدينة نفسها قسماً من أهلها قد وصلوا في النفاق إلى أقصى درجاته ، وثبتوا عليه ، وأصبحوا ذوي خبرة في النفاق : « وَمِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النّفَاقِ » . « مردوا » : مأخوذة من مادة « مرد » بمعنى الطغيان والعصيان والتمرد المطلق ، وهي في الأصل بمعنى التعري والتجرد . إنّ هؤلاء المنافقين قد انسلخوا من الحق والحقيقة ، وتسلطوا على أعمال النفاق إلى درجة أنّهم كانوا يستطيعون أن يظهروا في مصاف المؤمنين الحقيقين ، دون أن ينتبه أحد إلى حقيقتهم ومراوغتهم . إنّ هذا التفاوت في التعبير عن المنافقين الداخليين والخارجيين في الآية يلاحظ جلياً ، وربّما كان ذلك إشارة إلى أنّ المنافقين الداخليين أكثر تسلطاً على النفاق ، وبالتالي فهم أشد خطراً ، فعلى المسلمين أن يراقبوا هؤلاء بدقة ، لكن يجب أن لا يغفلوا عن المنافقين الخارجين ، بل يراقبونهم أيضاً . لذلك تقول الآية مباشرة بعد ذلك : « لَاتَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ » ومن الطبيعي أنّ هذا إشارة إلى العلم الطبيعي للنبي صلى الله عليه وآله ولكن هذا لا ينافي أن يقف كاملًا على أسرارهم عن طريق الوحي والتعليم الإلهي . وفي النهاية تبين الآية صورة العذاب الذي سيصب هؤلاء : « سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ » . إنّ العذاب العظيم إشارة إلى عذاب يوم القيامة ، وفي نوعية العذابين الآخرين وماهيتهما الذي يرجّحه النظر أنّ واحداً من هذين العذابين هو العقاب الاجتماعي لهؤلاء ، والمتمثل في فضيحتهم وهتك أسرارهم ، والكشف عمّا في ضمائرهم من خبيث النوايا . والعذاب الثّاني هو ما أشارت إليه الآية ( 50 ) من سورة الأنفال ، حيث تقول هناك : « وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ » . وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 102 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : قال أبو حمزة الثمالي : بلغنا أنّهم ثلاثة نفراً من الأنصار : أبو لبابة بن