وأوّل ما تعرضت لبيانه هو الرحمة الإلهية التي تنتظرهم ف « أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ » .
ولا شك أنّ وعد اللَّه للمؤمنين قطعي ويقيني لأنّ اللَّه قادر وحكيم ، ولا يمكن للحكيم أن يعد بدون سبب ، وليس اللَّه القادر بعاجز عن الوفاء بوعده حين وعد « إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » . الآية الثانية شرحت جانباً من هذه الرحمة الإلهية الواسعة التي تعم المؤمنين في بُعديها المادي والمعنوي . فهي أوّلًا تقول : « وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنتِ جَنتٍ تَجْرِى مِن تَحْتَهَا الْأَنْهرُ » ، ومن خصائص هذه النعمة الكبيرة أنّها لا زوال لها ولا فناء ، بل الخلود الأبدي ، لذا فإن المؤمنين والمؤمنات سيكونون « خَالِدِينَ فِيهَا » .
ومن المواهب الإلهية الأخرى التي سوف ينعمون بها هي المساكن الجميلة ، والمنازل المرفهة التي أعدها اللَّه لهم وسط الجنان « وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ » .
ويتّضح من الأحاديث أنّ جنات عدن حدائق خاصة في الجنة سيستقر فيها النبي صلى الله عليه وآله وجماعة من خلّص أصحابه وأتباعه .
بعد ذلك تشير الآية إلى الجزاء المعنوي المعد لهؤلاء ، وهو رضى اللَّه تعالى عنهم المختص بالمؤمنين الحقيقيين ، وهو أهم وأعظم جزاء ، ويفوق كل النعم والعطايا الأخرى « وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ » .
إنّ اللذة المعنوية والإحساس الروحي الذي يحس ويلتذ به الإنسان عند شعوره برضى اللَّه سبحانه وتعالى عنه لا يمكن أن يصفه أي بشر .
وفي النهاية أشارت الآية إلى جميع هذه النعم المادية والمعنوية ، وعبرت عنها بأنّ « ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 73 ) جهاد الكفار والمنافقين : وأخيراً ، صدر القرار الإلهي للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله في وجوب جهاد الكفار والمنافقين بكل قوة وحزم « يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ » ولا تأخذك بهم رأفة ورحمة ، بل شدد « وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ » . وهذا العقاب هو العقاب الدنيوي ، أمّا في الآخرة فإنّ محلهم « وَمَأْوَيهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » .
مختصر الامثل — صفحة 288
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٨٨