إنّ المراد من « الفتنة » هو الاختلاف والتفرق وتزلزل مباني العقيدة الإسلامية على أثر وسوسة الأعداء ، و « الفساد » يشمل كل إخلال وتخريب للنظم الاجتماعية المختلفة وخاصة سفك الدماء البريئة والارهاب وأمثال ذلك .
أمّا في الآية التالية فنجد تأكيداً على مقام المهاجرين والأنصار مرّة أخرى ، وما لهما من موقع وأثر في تحقق أهداف المجتمع الإسلامي ، فتثني عليهم الآية بقولها : « وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا » . لأنّهم هبوا لنصرة الإسلام في الأيام الصعبة الشديدة وفي الغربة والمحنة وقد اشترك كل فرد منهم بنوع من النصرة للَّهولرسوله صلى الله عليه وآله « لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ » . فهم فائزون بثواب اللَّه والنعمة الأخروية ، كما أنّهم يتمتعون في هذه الدنيا بالعزّة ورفعة الرأس والكرامة .
أمّا الآية الأخيرة فتشير إلى الطائفة الرابعة من المسلمين ، أي أولئك الذين آمنوا وهاجروا من بعد ، فتقول : « وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنكُمْ » . أي إنّ المجتمع الإسلامي ليس مجتمعاً منغلقاً ومحصوراً على نفسه ، بل أبوابه مفتوحة لجميع المؤمنين والمهاجرين والمجاهدين .
وتشير الآية في ختامها إلى ولاية الأرحام بعضهم لبعض ، وأوليتها فيما جعله اللَّه في عباده من أحكام ، فتقول : « وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ » .
إنّ الآيات السابقة تتكلم عن ولاية المؤمنين والمسلمين العامّة « بعضهم إلى بعض » أمّا هذه الآية محل البحث فتؤكّد هذا الموضوع في شأن الأرحام والأقارب ، فهم إضافة إلى ولاية الإيمان والهجرة يتمتعون بولاية الأرحام أيضاً ، ومن هنا فهم يرثون ويورّثون بعضهم بعضاً ، إلّاأنّه لا إرث بين غيرهم من المؤمنين الذين لا علاقة قربى بينهم .
وفي آخر جملة من هذه الآية يقول اللَّه سبحانه : « إِنَّ اللَّهَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ » .
فما نزل في هذه السورة من أحكام تتعلق بالأنفال وغنائم الحرب ، وتعاليم الجهاد والصلح ، وأحكام الأسرى والحرب ، وما يتعلق بالهجرة وغيرها ، كل ذلك كان وفق حساب دقيق يتلاءم وروح المجتمع الإنساني ، والعواطف البشرية ، والمصالح العامة في جميع جوانبها المختلفة .
« نهاية تفسير سورة الأنفال »
مختصر الامثل — صفحة 241
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٤١