تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
ثم ألقت باللوم على أولئك الذين خالفوا هذا الأمر فتقول : « تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْأَخِرَةَ » . فلا ينبغي أن نترك المنافع الطويلة الأمد والمستقبلية رهن الخطر من أجل أن نحصل على منافع مادية عابرة . وتُختتم الآية بالقول أن التعليم آنف الذكر - في الواقع - مزيج من العزة والنصر والحكمة والتدبير ، لأنّه صادر من قبل اللَّه تعالى « وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » . الآية التالية توجّه اللوم والتقريع ثانية لأولئك الذين يعرّضون المنفعة العامة والمصلحة الاجتماعية للخطر من أجل الحصول على المنافع المادية العابرة ، فتقول الآية : « لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ » . إلّا أنّه - كما صرحت الآيات الكريمة في القرآن - فإنّ سُنة اللَّه اقتضت أن تُبين أحكامه ثم يجازي الذي يخالفون عن أمره . وفي الآية التالية إشارة إلى حكم آخر من أحكام أسرى الحرب ، وهو حكم أخذ الفداء . في تفسير القمي : لما قتل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط ، خافت الأنصار أن يقتل الأسارى ، فقالوا : يا رسول اللَّه ! قتلنا سبعين وأسرنا سبعين وهم قومك واساراك هبهم لنا يا رسول اللَّه وخذ منهم الفداء واطلقهم ، فأنزل اللَّه عليهم « مَا كَانَ لِنَبِىّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى » الآيات ، فأطلق لهم أن يأخذوا الفداء ويطلقوهم . إنّ الآية محل البحث أجازت للمسلمين التصرف في غنائم المعركة ، والمبلغ الذي يأخذونه فداءً من الأسير ، فقالت : « فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَللًا طَيّبًا » . ويمكن أن تكون هذه الجملة ذات معنى واسع يشمل حتى الغنائم الأخرى غير الفداء . ثم تأمرهم الآية بالتقوى فتقول : « وَاتَّقُوا اللَّهَ » . وهذا إشارة إلى أنّ جواز أخذ مثل هذه الغنائم لا ينبغي أن يجعل هدف المجاهدين في المعركة هو جمع الغنائم وأن يأسروا العدو حتى يأخذوا فداءه ، وإذا كان في القلوب مثل هذه النيّات السيئة فعليهم أن يطهروا قلوبهم منها ، ويعدهم اللَّه بالعفو عمّا مضى فتقول الآية : « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » . والمسألة المهمة في شأن أسرى الحرب هي موضوع إصلاحهم وتربيتهم وهدايتهم ، ولهذا فإنّ الآية الرابعة من الآيات محل البحث تخاطب النبي أن يدعو الأسرى إلى الإيمان باللَّه وإصلاح أنفسهم ، ويرغبهم في كل ذلك ، فتقول : « يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لِّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ الْأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أَخَذَ مِنكُمْ » .
مختصر الامثل — صفحة 238 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي