المطالبة برؤية اللَّه : في هذه الآيات والآيات اللاحقة يشير سبحانه إلى مشهد مثير آخر من مشاهد حياة بني إسرائيل ، وذلك عندما طلب جماعة من بني إسرائيل من موسى عليه السلام - بإلحاح وإصرار - أن يَروا اللَّه سبحانه ، وأنّهم لن يؤمنوا به إذا لم يشاهدوه ، فاختار موسى سبعين رجلًا من قومه واصطحبهم معه إلى ميقات ربّه ، وهناك رفع طلبهم إلى اللَّه سبحانه ، فسمع جواباً أوضح لبني إسرائيل كل شيء في هذا الصعيد . ففي الآيات الحاضرة يقول أوّلًا :
« وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ » .
ولكن سرعان ما سمع الجواب من جانب المقام الرّبوبي : كلا ، لن تراني أبداً « قَالَ لَن تَرَينِى وَلكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَينِى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا » « 1 » .
فلمّا رأى موسى هذا المشهد الرهيب تملكه الرعب إلى درجة أنّه سقط على الأرض مغمىً عليه « وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا » .
وعندما أفاق قال : ربّاه سبحانك ، أنبتُ إليك ، وأنا أوّل من آمن بك « فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » .
هل يمكن رؤية اللَّه أساساً ؟ نقرأ في الآية الحاضرة أنّ اللَّه سبحانه قال لموسى : « انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَينِى » فهل مفهوم هذا الكلام هو أنّ اللَّه قابل للرؤية أساساً ؟
الجواب هو أنّ هذا التعبير هو كناية عن استحالة مثل هذا الموضوع ، مثل جملة « حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمّ الْخِيَاطِ » وحيث كان من المعلوم أنّ الجبل يستحيل أن يستقر في مكانه عند تجلّي اللَّه له ، لهذا ذكر هذا التعبير ، كما أنّ مفهوم جملة « لَن تَرَينِى » إنّك لا تراني لا في هذا العالم ولا في العالم الآخر .
وعلى هذا الأساس ، إذا جاء في الأحاديث والأخبار الإسلامية أو الآيات القرآنية عبارة « لقاء اللَّه » فإنّ المقصود هو المشاهدة بعين القلب والعقل .
هامش
( 1 ) « دك » : في الأصل بمعنى سوّى الأرض ، وعلى هذا فالمقصود من عبارة « جعله دكّاً » هو أنّه حطم الجبال وسواها كالأرض وجاء في بعض الرّوايات أنّ الجبل تناثر أقساماً ، سقط كل قسم منه في جانب أو غار في الأرض وتلاشى نهائياً .