بعث شعيب عليه السلام الذي ينتهي نسبه - حسب كتب التاريخ - إلى إبراهيم عبر خمس طبقات ، إلى أهل مدين ، وهي مدينة من مدن الشام ، كان أهلها أهل تجارة وترف قد سادت فيهم الوثنية ، وكذا الحيلة ، والتطفيف في المكيال والميزان ، والبخس في المعاملة .
في البداية يقول سبحانه : ولقد أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم شعيباً « وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا » .
إنّ « مدين » في الأصل اسم لأحد أبناء إبراهيم الخليل ، وحيث إنّ أبناءه وأحفاده سكنوا في أرض على طريق الشام سميت تلك الأرض « مدين » .
ثم إنّه تعالى أضاف : إنّ شعيباً مثل سائر الأنبياء بدأ دعوته بمسألة التوحيد « قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلهٍ غَيْرُهُ » .
وقال : إنّ هذا الحكم مضافاً إلى كونه من وحي العقل ، ثابت بواسطة الأدلة الواضحة التي جاءتهم من جانب اللَّه أيضاً : « قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ » .
ثم إنّه عليه السلام بعد الدعوة إلى التوحيد أخذ في محاربة المفاسد الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية السائدة فيهم ، وفي البدء منعهم من ممارسة التطفيف ، والغش في المعاملة ، يقول : « فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ » « 1 » .
ثم يشير إلى عمل آخر من الأعمال الأثيمة ، وهو الإفساد في الأرض بعد أن أصلحت أوضاعها بجهود الأنبياء ، وفي ضوء الإيمان فقال : « وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلحِهَا » .
ومن المسلّم أنّه لا يستفيد أحد من إيجاد الفساد ومن الإفساد ، سواء كان فساداً أخلاقياً ، أو من قبيل فقدان الإيمان ، أو عدم وجود الأمن ، لهذا أضاف في آخر الآية قائلًا :
« ذلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ » .
وفي الآية اللاحقة يشير إلى رابع نصيحة لشعيب ، وهي منعهم عن الجلوس على الطرقات وتهديد الناس ، وصدّهم عن سبيل اللَّه ، وتضليل الناس بإلقاء الشبهات وتزييف طريق الحق المستقيم في نظرهم ، فقال : « وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا » .
وفي ختام الآية جاءت النصيحة الخامسة لشعيب ، التي ذكّر فيها قومه بالنعم الإلهية
هامش
( 1 ) « البخس » : يعني نقص حقوق الأشخاص ، والنّزول عن الحد بصورة توجب الظلم والحيف .