فقال في معرض الردّ عليهم : أنا لست بضال ، بل ليست فيّ أية علامة للضلال ، ولكني مرسل من اللَّه « قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِى ضَللَةٌ وَلكِنّى رَسُولٌ مّن رَّبّ الْعَالَمِينَ » .
وهذه إشارة إلى أنّ الأرباب التي تعبدوها كلها لا أساس لها من الصحة ، ورب العالمين ما هو إلّااللَّه الواحد الذي خلقها جميعاً وأوجدها من العدم . ثمّ إنّ هدفي إنّما هو إبلاغ ما حمّلت من رسالة « أُبَلّغُكُمْ رِسلتِ رَبّى » .
ولن آلو جهداً في تقديم النصح لكم ، وقصد نفعكم ، وإيصال الخير إليكم « وَأَنصَحُ لَكُمْ » .
ثمّ أضاف تعالى : « وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَاتَعْلَمُونَ » .
إنّ هذه العبارة يمكن أن يكون لها جانب تهديد في مقابل معارضاتهم ومخالفتهم ، وكأنّه يريد أن يقول : أنا أعلم بعقوبات إلهية أليمة تنتظر العصاة لا تعلمون شيئاً عنها ، أو تكون إشارة إلى لطف اللَّه ورحمته ، وتعني أنّكم إذا أطعتم اللَّه ، وكففتم عن تعنتكم ، فإنّي أعلم مثوبات عظيمة لكم لا تعلمونها ولم تقفوا لحد الآن على سعتها .
وفي الآية اللاحقة نقرأ لنوح كلاماً آخر قاله في مقابل استغراب قومه من أنّه كيف يمكن لبشر أن يكون حاملًا لمسؤولية إبلاغ الرسالة الإلهية ، إذ قال : « أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » .
يعني : أيّ شيء في هذه القضية يدعو إلى الاستغراب والتعجب ، لأنّ الانسان الصالح هو الذي يمكنه أن يقوم بهذه الرسالة أحسن من أي كائن آخر .
ولكن بدل أن يقبلوا دعوة مثل هذا القائد المخلص الواعي فقد كذّبه الجميع ، فأرسل اللَّه عليهم طوفاناً فغرق المكذبون ونجا في السفينة نوح ومن آمن « فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِى الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بَايَاتِنَا » .
وفي خاتمة الآية ذكر دليل هذه العقوبة الصعبة ، وأنّه عمى القلب الذي منعهم عن رؤية الحق ، وأتباعه « إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ » « 1 » .
هامش
( 1 ) « عمين » : جمع عمي ، وهو يطلق عادة على من تعطلت بصيرته الباطنية ، ولكن الأعمى يطلق على من فقد بصره الظاهري ، وكذلك يطلق على من فقد بصيرته الباطنية أيضاً .