تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
الذي هو مخ العبادة وروحها ، يقول أوّلًا : « ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً » . « التضرع » : في الأصل من مادة « ضَرْع » بمعنى الثدي ، وعلى هذا يكون فعل التضرع بمعنى حلب اللبن من الضرع ، وحيث إنّه عند حلب اللبن تتحرك الأصابع على حلمة الثدي من جهاتها المختلفة استداراً للحليب ، لهذا استعملت هذه الكلمة في من يظهر حركات خاصة إظهاراً للخضوع والتواضع . وعلى هذا فإنّ الآية المبحوثة ، وعبارة « ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا » تحثّنا على أن نقبل على اللَّه بمنتهى الخضوع والخشوع والتواضع ، بل يجب أن تنعكس روح الدعاء في أعماق روح الإنسان ، وعلى جميع أبعاد وجوده . وأمره تعالى بأن يدعى اللَّه « خفية » وفي السّر ، لأنّه أبعد عن الرياء ، وأقرب إلى الإخلاص ، ولأجل أن يكون الدعاء مقروناً بتمركز الفكر وحضور القلب . ثمّ قال تعالى في ختام الآية : « إِنَّهُ لَايُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » . أي إنّ اللَّه لا يحب المعتدين . ولهذه العبارة معنى وسيع يشمل كل نوع من أنواع العدوان والتجاوز ، سواء الصراخ ورفع الصوت عالياً جداً حين الدعاء ، أو التظاهر وممارسة الرياء ، أو التوجه إلى غير اللَّه حين الدعاء . وفي الآية اللاحقة يشير تعالى إلى حكم هو في الحقيقة شرط من شروط تأثير الدعاء ، إذ قال : « وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلحِهَا » . ولهذا فلا تستجاب أدعية المفسدين والعصاة ، ولا تنتهي إلى أية نتيجة مرجوّة . والمراد من « الفساد بعد الإصلاح » يمكن أن يكون الإصلاح من الكفر أو الظلم أو كليهما . في تفسير مجمع البيان عن الإمام الباقر عليه السلام قال : « إنّ الأرض كانت فاسدة فأصلحها اللَّه بنبيّه صلى الله عليه وآله » . ومرّة أخرى يعود إلى مسألة الدعاء ويذكر شرطاً آخر من شرائطه فيقول : « وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا » . أي لا تكونوا راضين معجبين بأفعالكم بحيث تظنون أنّه لا توجد في حياتكم أيّة نقطة سوداء ، إذ إنّ هذا الظن هو أحد عوامل التقهقر والسقوط ، كما لا تكونوا يائسين إلى درجة أنّكم لا ترون أنفسكم لائقين للعفو الإلهي ولإجابة الدعاء ، إذ إنّ هذا