إلى حالته الأولى تجتمع تلك الذرات ثانية ، وتتواصل وتترابط ويتشكل الجسم الأول ، فلو كان هذا الأمر محالًا فلماذا وقع في مبدأ الخلقة ؟ !
إذاً « كما بدأكم » اللَّه « تعودون » أي يعيدكم في الآخرة ، وهذا هو الموضوع الذي تضمنته العبارة القصيرة .
في الآية اللاحقة يصف سبحانه ردود الفعل التي أظهرها الناس قبال هذه الدعوة ( الدعوة إلى التوحيد والخير والمعاد ) فيقول : « فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّللَةُ » .
ولأجل أن لا يتصور أحد أنّ اللَّه يهدي فريقاً أو يضلّ فريقاً من دون سبب ، أضاف في الجملة ما يلي : « إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ » . أي إنّ الضالين هم الذين اختاروا الشياطين أولياء لهم بدل أن يدخلوا تحت ولاية اللَّه ، فضلوا .
والعجب أنّه رغم كل ما أصابهم من ضلال وانحراف يحسبون أنّهم المهتدون الحقيقيون « وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ » .
إنّ هذه الحالة تختص بالذين غرقوا في الطغيان والمعصية ، وفي هذه الحالة أغلقت في وجوههم كل أبواب الهداية ، وهذا هو ما أوجدوه وجلبوه لأنفسهم .
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 ) الحديث في هاتين الآيتين يتناسب مع قصة آدم في الجنة ، وكذلك يتناول مسألة اللباس وسائر مواهب الحياة ، وكيفية الاستفادة الصحيحة منها . في البداية يأمر جميع أبناء آدم ضمن دستور عام أبدي ، يشمل جميع الأعصار والقرون ، أن يتخذوا زينتهم عندما يذهبون إلى المساجد : « يَا بَنِى ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ » .
هذه الجملة يمكن أن تكون إشارة إلى كل « زينة جسمانية » مما يشمل لبس الثياب المرتبة الطاهرة الجميلة ، وتمشيط الشعر ، واستعمال الطيب والعطر وما شابه ذلك كما يمكن أيضاً أن تكون إشارة إلى كل « زينة معنوية » يعني الصفات الإنسانية والملكات الأخلاقية ، وصدق
مختصر الامثل — صفحة 115
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١١٥