نزع عنه لباس الجنة بوساوسه يمكن أن ينزع عنهم لباس التقوى ، ولهذا يقول تعالى : « يَا بَنِى ءَادَمَ لَايَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطنُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا » .
ثمّ إنّ اللَّه تعالى يؤكّد على أنّ الشيطان وأعوانه يختلفون عن غيرهم من الأعداء : « إِنَّهُ يَرَيكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَاتَرَوْنَهُمْ » . فلابدّ من شدة الحذر من مثل هذا العدو .
وفي خاتمة الآية يأتي سبحانه بجملة هي إجابة على سؤال مهم ، فقد يتساءل أحد : كيف سلّط اللَّه العادل الرحيم عدوّاً بهذه القوة على الإنسان . . . عدوّاً لا يمكن مقايسة قواه بقوى الإنسان . . . عدواً يذهب حيث يشاء دون أن يحس أحد بتحركاته ، بل إنّه - حسبما جاء في بعض الأحاديث - يجري من الإنسان مجرى الدم في عروقه ، فهل تنسجم هذه الحقيقة مع عدالة اللَّه سبحانه ؟ !
الآية الشريفة - في خاتمتها - ترد على هذا السؤال الاحتمالي إذ تقول : « إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ » . أي إنّ الخطوات الأولى نحو الشيطان إنّما يخطوها الإنسان نفسه ، وهو الذي يسمح للشيطان بأن يتسلل إلى مملكة جسمه . فالشيطان لا يستطيع إجتياز حدود الروح ويعبرها إلّابعد موافقة من الإنسان نفسه .
وفي الآية ( 42 ) من سورة الحجر نقرأ : « إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ » .
في الآية التالية يشير تعالى إلى واحدة من وساوس الشيطان المهمة والتي تجري على ألسنة بعض الشياطين من الإنس أيضاً ، وهي أنّه عندما يُسأل الشخص لدى ارتكابه عملًا قبيحاً ، عن دليله يجيب قائلًا : هذا ما وجدنا آباءنا يفعلونه : « وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءَنَا » .
ثمّ يضيفون إلى هذه الحجة حجة كاذبة أخرى قائلين : « وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا » .
والملفت للنظر أنّ القرآن الكريم لم يَعبأ بالدليل الأول ( يعني التقليد الأعمى للآباء والأسلاف ) ولم يعتن به ، وإنّما اكتفى بالردّ على الحجة الثانية ، أو بالأحرى ( التبرير الثاني ) حيث قال : « قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَايَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ » .
ثم يختم الآية بهذه العبارة : « أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَاتَعْلَمُونَ » .
« الفحشاء » : هنا هو كل عمل قبيح منكر ، ومسألة « الطواف بالبيت عراة » و « اتباع
مختصر الامثل — صفحة 113
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١١٣