الأغلب مختلف الألوان جميلها ، لذلك تتضمن هذه الكلمة مفهوم الزينة والجمال .
ثم تحدث القرآن عقيب هذه الجملة التي كانت حول اللباس الظاهري ، عن حد اللباس المعنوي تبعاً لسيرته في الكثير من الموارد التي تمزج بين الجانبين المادي والمعنوي ، الظاهري والباطني إذ قال : « وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذلِكَ خَيْرٌ » .
وتشبيه التقوى باللباس تشبيه قوي الدلالة ، معبّر جداً ، لأنّه كما أنّ اللباس يحفظ البدن من الحرّ والقرّ ، يقي الجسم عن الكثير من الأخطار ، ويستر العيوب الجسمانية ، وهو بالإضافة إلى هذا وذاك زينة للإنسان ، ومصدر جمال ، كذلك روح التقوى ، فإنّها مضافاً إلى ستر عيوب الانسان ، ووقايته من الكثير من الأخطار الفردية والاجتماعية ، تعدّ زينة كبرى له . . .
زينة ملفتة للنظر تضيف إلى شخصيته رفعة وسمّواً ، وتزيدها جلالًا وبهاء .
والمراد من لباس التقوى هو « روح التقوى » التي تحفظ الإنسان ، وتنطوي تحتها معاني « الحياء » و « العمل الصالح » وأمثالهما .
ثمّ إنّ اللَّه تعالى يقول في ختام الآية : « ذلِكَ مِن ءَايَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ » . أي إنّ هذه الألبسة التي جعلها اللَّه لكم ، سواء الألبسة المادية أو المعنوية ، اللباس الجسماني أو لباس التقوى ، كلها من آيات اللَّه ليتذكر الناس نعم الرب تعالى .
اللباس في الماضي والحاضر : لم يزل الإنسان فيما مضى - كما يشهد به التاريخ - يلبس الثياب ولكن الألبسة قد تغيرت وتنوعت تنوعاً بالغاً عبر الزمن . لقد تطورت وسائل إنتاج الألبسة والثياب في عصرنا الراهن تطوراً هائلًا ، واتسع نطاقها اتساعاً كبيراً ، بحيث أصبح لا يقاس بما مضى .
ولكن - للأسف - قد اتسعت الجوانب الفرعية ، بل وغير المحمودة والفاضحة للثياب والألبسة وتعددت كثيراً إلى درجة أنّها غطت على الفلسفة الأصلية للباس .
لقد أصبح اللباس - اليوم - وسيلة لأنواع التظاهر ، وإشاعة الفساد ، وتحريك الشهوات ، والتكبر والإسراف والتبذير ، وما شابه ذلك . حتى أنّنا ربّما نشاهد ألبسة يرتديها جماعات من الناس - وبخاصة الشباب المتغرب - يفوق طابُعها الجنوني على الطابع العقلاني ، وتكون أشبه بكل شيء إلّاباللباس والثوب .
الآية اللاحقة يحذّر فيها اللَّه سبحانه جميع أبناء البشر من ذرية آدم من كيد الشيطان ومكره ، ويدعو إلى مراقبته ، والحذر منه ، لأنّ الشيطان أبدى عداءه لأبيهم آدم ، فكما أنّه
مختصر الامثل — صفحة 112
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١١٢