تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
النية وطهارتها وإخلاصها . ثمّ في العبارة اللاحقة يشير سبحانه إلى مواهب أخرى ، يعني الأطعمة والأشربة الطاهرة الطيبة ، ويقول : « وَكُلُوا وَاشْرَبُوا » . ولكن حيث إنّ الإنسان حريص بحكم طبيعته البشرية ، يمكن أن يسيء استخدام هذين التعليمين ، وبدل أن يستفيد من نعمة اللباس والغذاء الصحيح بالشكل المعقول والمعتدل ، يسلك سبيل الإسراف والتبذير والبذخ ، لهذا أضاف مباشرة قائلًا : « وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ » . « الإسراف » : كلمة جامعة جدّاً بحيث تشمل كل إفراط في الكم والكيف ، وكذا الأعمال العابثة والإتلاف وما شابه ذلك . وفي الآية اللاحقة يعمد إلى الردّ - بلهجة أكثر حدّةً - على من يظن أنّ تحريم أنواع الزينة والتزين والاجتناب من الأطعمة الطيبة الحلال علامة الزهد ، وسبباً للتقرب إلى اللَّه فيقول : أيّها النبي : « قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ » . ثمّ أضاف للتأكيد : « قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيمَةِ » . أي إنّ هذه النعم والمواهب قد خلقت للمؤمنين في هذه الحياة ، وإن كان الآخرون - أيضاً - يستفيدون منها رغم عدم صلاحيتهم لذلك ، ولكن في يوم القيامة حيث الحياة الأعلى والأفضل ، وحيث يتميز الخبيث عن الطيب ، فإنّ هذه المواهب والنعم ستوضع تحت تصرف المؤمنين الصالحين فقط ، ويحرم منها الآخرون حرماناً كلياً . وفي ختام الآية يقول من باب التأكيد : « كَذلِكَ نُفَصّلُ الْأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » . لقد اختار الإسلام - كسائر الموارد - حدّ التوسط والاعتدال في مجال الانتفاع والاستفادة من أنواع الزينة . ولم يكتف الإسلام بتجويز التمتع بجمال الطبيعة والاستفادة من الألبسة الجميلة والمناسبة واستعمال كل أنواع العطور فحسب بل أوصي بذلك وحثّ عليه أيضاً . توصية صحية هامة : إنّ عبارة « كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا » التي جاءت في الآية الحاضرة ، وإن كانت تبدو للنظر أمراً بسيطاً جدّاً ، إلّاأنّه ثبت اليوم أنّه واحد من أهم الأوامر والتعاليم الصحية ، وذلك لأنّ تحقيقات العلماء توصلت إلى أنّ منبع الكثير من الأمراض والآلام هو الأطعمة الإضافية الزائدة التي تبقى في بدن الإنسان إنّ هذه المواد الإضافية تشكل من جانب عبئاً ثقيلًا على القلب وغيره من أجهزة الجسم ، وهي من
مختصر الامثل — صفحة 116 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي