تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وربيبو عزّ ومجد ، فإن قول يوسف ( ع ) : إذ أنتم جاهلون ، أوحى إليهم بهذا الاعتراف الفوريّ الذي لم يكن منه بد ، قد لقّنهم وجه الاعتذار والمسارعة للاعتراف بالذنب والمبادرة للتسليم بفضله . ولما أحسّ يوسف ( ع ) منهم الخجل والخوف لم يتركهم عرضة للوساوس وقتا ما ، بل أسرع في الصفح عنهم وقال : 92 -
لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
. . . أي لا توبيخ ولا تعيير ولا خوف عليكم في هذا الوقت من جرّاء ما فعلتم مع أبي ومعي ومع أخي ولو كنتم تظنون ذلك فكونوا آمنين مطمنّين . وبالفعل صدر الأمر الملكيّ بإخفاء أمر إخوته ، ولم يتكلم أحد بما جرى من أمرهم في رحلتهم السابقة التي فقد فيه الصاع . وفي هذا كمال السماحة وغاية الكرم والشهامة ، واللّه أعلم حيث يجعل رسالته ، فقد هدّأ خواطرهم وقال :
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
فلم يكتف بعفوه وتنازله عن حقه ( ع ) بل طلب لهم المغفرة والعفو من اللّه سبحانه وتعالى بلا تراخ ولا تأجيل ، فيا عجبا من حلم الأنبياء وخلقهم العظيم ! فعن ابن عباس أن نبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وآله في يوم فتح مكة أخذ بحلقة باب البيت الحرام : وكان أهل مكة قد التجأوا إلى الحرم خوفا من المسلمين ثم نادى ( ص ) : أيها الناس : الحمد للّه الذي صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . ما ظنّكم بي مع ما صنعتم لي من تكذيبي وتبعيدي عن أهلي ووطني وأذيّتي ؟ فقالوا : ما نظنّ بك إلّا خيرا حيث إنك كريم وصاحب خلق عظيم ، نعتمد على كرمك العميم - أنت أخ كريم وابن أخ كريم - . فقال بأبي وأمي : أنا عامل معكم ما عامل به أخي يوسف إخوته ، قال : لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم . . اذهبوا فأنتم الطّلقاء . والحاصل أن يوسف ( ع ) لمّا فرغ من أمر إخوته وأنزلهم منزل الإعزاز والإكرام ، عرّفهم أنهم إخوة هذا الذي أمدّه اللّه بمجد باذخ وسلطان عظيم وهم إلى جانب ذلك أولاد أنبياء مكرمين وقد صاروا في سلطانه معزّزين