لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ
وأكدّ سبحانه كثيرة استماعهم لكلام وآراء طائفة أخرى من اليهود لم يحضروا إليك - يا محمد - بغضا لك وتأنّفا عن الإسلام ، لأنهم كفرة فجرة
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
أي يغيّرون المقصود به ، ويميلونه عمّا أراد اللّه له ، ويحملونه على غير المراد
يَقُولُونَ
أي المحرفون يقولون للمنافقين الذين يستمعون إليهم :
إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ
أي إن أفتاكم محمد صلّى اللّه عليه وآله بهذا الحكم المحرّف فاقبلوه
وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا
وإن حكم لكم بخلاف ذلك فكونوا حذرين ولا تقبلوا فتواه على ما هي عليه .
وقيل إن هذه الآية نزلت بمناسبة أن رجلا وامرأة محصنين زنيا وهما من خيبر ، وثبت عليهما الزّنى ، ولكن يهود خيبر كرهوا أن يرجموهما . فبعثوهما إلى بني قريضة ليسألوا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عن حكمهما ، وقالوا لبني قريضة : إن أمركم بجلدهما فاقبلوا بفتواه ، وإن أمركم بالرّجم فلا . وقد أمرهم ( ص ) بالرّجم لأنه الحد الذي شرعه اللّه سبحانه ، فأبوا ، وحدثت مشكلة ونشأ خلاف في المسألة ، فحكّموا ابن صوريا بين النبيّ ( ص ) وبينهم . فأنشده النبيّ اللّه تعالى قائلا : هل في كتابكم رجم من أحصن ؟ قال : نعم . فوثب اليهود عليه يخاصمونه فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب . ثم أسلم ابن صوريا وأمر النبيّ ( ص ) برجم الزانيين
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ
أي اختباره لفضيحته وخذلانه
فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
أي لن تقدر أنت ولا أحد أن ينجيه من الفضيحة والفتنة المهلكة غير اللّه سبحانه وتعالى لأنه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء . والمنافقون الذين يسارعون في الكفر ، واليهود السمّاعون للكذب
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
لأنهم اختاروا تدنيسها بالكفر والنفاق ، فاللّه تعالى يكلهم إلى أنفسهم باختيارهم ذلك حين وجد أنهم ليسوا أهلا لرحمته كما هو شأنه سبحانه مع المؤمنين . وهؤلاء
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
بدفع الجزية ، وبإجلائهم عن المدينة ، وبظهور الإسلام عليهم ، وبكسر شوكتهم وطردهم من معاقلهم وحصونهم
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
ينتظرهم ، وهو مهيأ لهم وسيخلّدون فيه إلى أبد الأبد .