وغيرهم . فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له من أول أمره . فهنيئا لمن وفقه اللّه تعالى للتوبة النّصوح ، فإنه سبحانه يحب التائبين ويحب المتطهرين .
وبعقيدتي أن التائب أعلى مقاما وأجل شأنا من غيره من المؤمنين ، لأن التائب ذاق لذائذ الشهوات ومتع الحياة وأطايب المأكل والمشرب والملبس ، وزوال الأعمال والأقوال الفاسدة القبيحة ، وعاش على طيّته غائصا في الشهوات والمفاتن والملاهي . ومع ذلك جاهد نفسه الأمّارة بالسوء ، وحارب الشيطان ، وخالف هواه ، وتغلّب على أقوى عدوّين لدودين للإنسان :
الشيطان والنفس ، فأعانه اللّه - لما رأى صدق نيّته وصفاء طوّيته - على مغادرة حجر الشيطان لباحة مرضاة الرحمان ، ورفض وسوسة النفس الخبيثة وأسلم نفسه لعقيدة اطمأنّ إليها وركن إلى واحتها الظليلة السمحة فكان ممّن عناهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بقوله حين استقبل صحابته العائدين من الجهاد والنصر
بقوله ( ص ) : مرحبا بقوم جاؤوا من الجهاد الأصغر ، وبقي عليهم الجهاد الأكبر . فقالوا : يا رسول اللّه ، وما الجهاد الأكبر ؟ قال :
هو جهاد النفس .
أجل ، فالتائبون قد جاهدوا وانتصروا في معاركهم مع أنفسهم ، وخرجوا من الكفر أو النفاق لينعموا في ظل الإيمان باللّه تبارك وتعالى . فلا عجب إن قلنا بأن الآية الكريمة تشمل التائبين والمؤمنين ، بل لا غرابة إذا ترقّينا وقلنا : إنها تشمل التائبين أولا ، وغيرهم ثانيا ، بناء على قول النبيّ الكريم صلّى اللّه عليه وآله ، وليس موقف الحر بن زيد الرياحي مع الحسين عليه السلام عنّا ببعيد ، فإنه في لحظة تفكير صادق خالف هواه ، وباع نفسه إلى خالقه ومولاه ، وفاز بمرتبة الشهادة في كربلاء ، وهي مرتبة لا ينالها مؤمن بإيمان ولا عامل بعمل .
* * *
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 147 إلى 149 ]
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً ( 147 ) لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 )