الخضمّ على إصبعه . فنسبة الدنيا إلى الآخرة - من حيث النعيم ومن حيث الخلود الزمني - هي كهذه النسبة . فهذا الحديث النبويّ الشريف تترشح النسبة التقريبية من جوانبه ، ويصوّر نعيم الكفرة الزائل الذي هو في الدنيا متاع قليل
ثُمَّ مَأْواهُمْ
ومنزلهم ومآبهم يوم القيامة
جَهَنَّمُ
يدخلونها داخرين
وَبِئْسَ الْمِهادُ
أي ما أسوأ هذا المهد الذي ينزلون فيه ، ويمهّدونه لأنفسهم بأعمالهم السيئة .
198 -
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ . . .
أي الذين خافوا اللّه وتجنّبوا معصيته وعملوا بطاعته . ولكن حرف مشبّه بالفعل تنصب الاسم وترفع الخبر - وأصلها لا كنّ ، وقد حذفت ألفها خطّا لا لفظا - ويقال : قام القوم لكن زيدا جالس . . . والآية الشريفة استدراك من الذين كفروا الذين يتقلّبون في نعيم الدنيا الفاني ، حاصل معناها أن المؤمنين المتّقين سيلقون جزاء إيمانهم وطاعتهم وتقواهم وأنّ
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
وقد بيّنا تفسيرها في سورة البقرة ولا نكرّرها خوف التطويل ، وسيكونون
خالِدِينَ فِيها
إلى أبد الأبد ، لأنهم لو بقوا في الدنيا أبد الدهر لظلّوا على إيمانهم وطاعتهم وتقواهم ، كما أن الكافرين لو ظلّوا أبد الدهر لداموا على كفرهم ونفاقهم وإرصادهم للّه وللمؤمنين به . فاللّه سبحانه عامل هؤلاء وهؤلاء في الدار الأخرى بناء على علمه بحالهم لو قضوا الدهر كله في دار الدنيا . فقد أعدّ اللّه سبحانه للمتّقين تلك الجنّات
نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
قصورا ينزلون فيها أعدّها لهم في نعيم دائم ، تماما كما يهيّأ ويعدّ للضيّف النّزل الجميل النظيف المرتّب . وقد نصبت لفظة :
نزلا ، على الحاليّة من جنّات والعامل فيهما اعتبار متعلقه . . .
وَما عِنْدَ اللَّهِ
مما أعدّه من نعيم مقيم كثير وفير
خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
أي أحسن للمؤمنين المطيعين ، من ذلك الذي يتقلّب فيه الكفار وهو زائل فان .
199 -
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ . . .
كلمة : من ، للتبعيض . وقد دخل اللام على اسم إنّ ، لفصل الظرف بينهما . وقد نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن سلام وأصحابه من اليهود الذين أسلموا