تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
ومع قطع النظر عن إرسال الرّسل لا بد لنا من ملاحظة أمرين هامين ولو اقتضى ذلك منّا استطرادا وتطويلا ، وهما : الإلهام ، والوحي ، اللذان هما خفيّان عن الآخرين ليس يعرفهما ولا يعلمهما إلّا الملهم والملهم ، والموحي والموحى إليه . . . فقد يعمل الإنسان عملا يرتضيه ، وإذا نهي عنه قال : ألهمني إياه ربي . كما أنه إذا فعل إنسان آخر خلاف ما فعله الأول ، ثم سئل عن ذلك ، فقد يقول : بهذا أمرني ربي . فمن - يا ترى - يكون المميّز والحاكم بأن هذا حق وهذا باطل ؟ . . . أو هذا صادق وذاك كاذب ؟ . . . فيلزم من ذلك الهرج والمرج لا محالة . . . والنتيجة لغوية التكاليف . ولو قيل إن اللّه يجبرهم على طريق الحق ، ويحفظهم عن الباطل . وهذا هو الأمر الثاني من الأمرين - وهو الجبر - فالجواب أن الجبر خلاف حكمة الاختيار ، والجبر والتفويض كلاهما باطلان مردودان على القائل بهما بمقتضى العقل ، وبمقتضى الروايات المستفيضة في هذا الباب ، وللبحث في ذلك مقام آخر . فلا بد للفصل بين طريق الحق وطريق الباطل من إرشاد البشر ، ومن شخص يكون أعلم وأعرف أهل زمانه بمصالح العباد . والحكمة تقتضي أن يكون هذا الشخص من أهل البلاد التي يبعث فيها نشأة ونموّا وتربية ، وأن يكون معروفا بصدق القول والأمانة والعدالة والطهارة عن كل رجس ودنس ، وأن يكون كريم الأصل ، شريف الحسب والنسب ، حتى لا يتأففّون من قبول قوله واتّباعه في أخذ معالم دينهم الذي يجيء به ويدّعي أنه من عند ربّه ، مع شرائط أخر ستجيء في مكانها . . . فإذا وجد مثل هذا الشخص الجامع لشرائط الرسالة والنبوّة ، فعلى اللّه تعالى أن يرسله إلى المجموع البشري مع كتاب جامع لكل ما يحتاج إليه المجتمع في كل عصر بحسبه وحسب ما يقتضيه ، كما جرى في الأزمنة السابقة لبعثة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله . أما في عصر خاتم النبيّين فاقتضت الحكمة الإلهية ما دعت إليه المصلحة من بعث رسول جامع لشرائط الدعوة العامّة الأبديّة إلى جميع المكلّفين من الإنس