التلبيسية اعوجاج الناس عن دين الإسلام ، أي انحرافهم عن ذلك ، وهو عوج بنظر ذي الفطرة السليمة . والجملة في محل نصب على أنها حال من المستتر تصدون والهاء عائدة للسبيل التي يريدونها معوجة غير مستقيمة .
تفعلون ذلك
وَأَنْتُمْ شُهَداءُ
جمع شهيد ، وهو هنا الشاهد الأمين في شهادته . ومعناه أنهم ثقات عند قومهم وأمناء عند أهل ملتهم يستشهدون بهم في أمورهم . فلم لا تشهدون لهم بأن سبيل اللّه التي يدعو إليها محمد ( ص ) هي الحق ، وأن غيرها سبل ضلالة وغواية ، والصاد عن سبيل اللّه ضال مضل ؟
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
هذا وعيد وتهديد . فإنه سبحانه وتعالى منتبه لتصرفاتكم غير ساه عنها . والباء زائدة ، والتقدير :
ليس اللّه غافلا عن عملكم .
100 -
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . .
هذا خطاب للأوس والخزرج كما بينا في سبب نزول الآية السابقة ، ويدخل غيرهم في مفاد الآية الكريمة بعموم اللفظ :
إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
إن استمعتم واتبعتم قول هؤلاء الجماعة من اليهود
يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ
يرجعونكم إلى الكفر بعد أن أسلمتم . وقد أشرنا إلى أن شاس بن قيس اليهودي قد مر بنفر جلوس من الأوس والخزرج يتحدثون فغاظه تآلفهم فبعث إليهم بمن يذكرهم بيوم بغاث وينشدهم بعض ما قيل فيه من ظفر الخزرج وانكسار الأوس ، فأثار حمية هؤلاء وهؤلاء فتنازعوا وتغاضبوا وقالوا :
السلاح السلاح ، واجتمع من القبيلتين خلق عظيم ، فأتى النبي ( ص ) إليهم فقال : أتدّعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم اللّه بالإسلام وألّف بينكم ؟ . . . فعرفوا أنها نزعة الشيطان وكيد العدو ، فألقوا السلاح وبكوا وتعانقوا وانصرفوا معه صلى اللّه عليه وآله . فخاطبهم اللّه تعالى بنفسه آمرا رسوله أن يقول :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ،
إجلالا لهم وإيذانا بأنهم جديرون بمخاطبة اللّه ومخاطبة رسوله . هذا ، والقبيلتان كانتا أقوى قبائل العرب في نصرة النبي ( ص ) وتقوية الإسلام . ولذا أظهر