العلم بأن الأمثال حقّ ، هداية ، والجهل بأنها في غير موردها ضلالة . أما كثرة المهديّين فباعتبار أنفسهم مع أنهم إذا قيسوا إلى غيرهم قليل . وأما إسناد الإضلال إليه تعالى فينظر إلى السبب : فإنّ الكفرة لمّا اعترضوا على ضرب هذه الأمثلة حدث سبب الضلالة ، فأجابهم اللّه تعالى بقوله
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
الخارجين عن القصد . والفاسق هنا الخارج عن دين اللّه ، والجاني على نفسه بترك أوامره والإتيان بنواهيه . وقد عرّف انه سبحانه الفاسقين في الآية التالية إذ قال :
27 -
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
. . . حدّد صفة فسقهم فهم ( ينقضون ) أي يردّون ويرفضون ( عهد اللّه ) ما أخذه عليهم من الميثاق له بالربوبية ، ولمحمد ( ص ) بالنبوّة ، ولعليّ ( ع ) بالولاية ، ولشيعتهما بالكرامة . وقيل : عهد اللّه : الحجة على التوحيد وتصديق الرّسل ( ع ) .
فالعهد هو ما أخذ في عالم الذّر ، و ( من بعد ميثاقه ) ذاك ، لأن الضمير في الميثاق عائد للعهد . أي بعد إحكام العهد وتوثيقه وإبرامه . (
وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
) صفة ثانية للفاسقين الذين ( يقطعون ) ينكثون الصلة بالنبيّ والوصيّ والمؤمنين ، أو الأرحام والقرابات ولا سيما مودة ذوي القربى .
( ويفسدون في الأرض ) صفة ثالثة من أوصافهم القبيحة المذمومة . فهم ( يفسدون ) ينشرون الفساد ويدعون إلى الكفر والزّندقة ، وقطع طريق المسلمين للسرقة والتخويف والقتل والوعيد ، وإلى الوقوف في وجه ما فيه نظام العالم وصلاحه ( أولئك هم الخاسرون ) لأنهم فقدوا رأس مالهم : عمرهم وهو أعظم الأشياء عندهم ، صرفوه في كل ما يترتب عليه الضرّر في الدنيا والآخرة .
وأيّة خسارة أعظم من استبدال نقض العهد بالوفاء ، والقطع بالوصل ، والفساد بالصلاح ، والعقاب بالثواب ؟ . فهم كمن ضيّع رأس ماله باختياره وكان عاقبة أمره الخسران الذي ألزمه عذاب الأبد وحرمه النعيم السرمد .