تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
والذي جرّأ النمرود على حجاج إبراهيم عليه السلام في ربّه بالباطل ، هو عتوّه وكبرياؤه ، وذلك
أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
أي لأنه تعالى أنعم عليه بأعظم نعمة وأعطاه ملك الشرق والغرب ، فطغى وبطر من هذه النعمة الجزيلة ولم يتحمّلها عقله ولا عدّها تفضّلا من الله تعالى بل أنكر خالقه ورازقه والمنعم عليه ، فبعث اللّه إبراهيم عليه السلام ليدعوه إلى طريق الحق ويهديه إلى الدين المستقيم
إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
مخاطبا النمرود ، بهذا الكلام القائم على الحذف والتقدير ، أي أن النمرود قال لإبراهيم عليه السلام : من ربّك ؟ . . فأجابه بذلك ، مبتدئا بأول نعمة ينعم اللّه تعالى بها على خلقه ، ومختتما بآخر آية تدلّ على عظمته إذ لا يقدر عليها غيره . وبيان ذلك أن إفاضته الروح أمر إلهي ، لا يعرف كيف يخرجها من البدن الحيّ من دون تعب ولا حرج ولا نقص في البدن ، ولا إحداث فعل فيه كذبح وفصد وخنق وغيره ، إلا هو جلّت قدرته فما كان من النمرود إلّا أن
قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
أي أنا أحيي من هو مستحق للقتل فلا أقتله فأكون قد وهبته الحياة من جديد ، وأميت إذ أقتل من أشاء من المجرمين . وهو جواب يدل على جهل وحماقة من الكافر المنكر ، لأن عدم القتل إبقاء لحياة موجودة ، وليس إحداث حياة لم تكن ، ولا هو إيجاد لها . فسمع إبراهيم عليه السلام لجوابه الأحمق ، وأغضى عن الدخول في التفصيل ، بعد أن رآه مموّها أو قاصر الفهم عن معنى الأحياء والإماتة اللّذين أضافهما إبراهيم عليه السلام إلى ربه ، فعدل إلى حجة أخرى أظهر وأقوى تجبه الخصم وتلقمه حجرا ، إذ
قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ ، فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
واختار احتجاجا ليس فيه تلبيس على أحد في الجواب ، ولا يستطاع التمويه فيه ولا الزندقة ، فطبع اللّه على قلب خصمه . . . ويحتمل أن يكون مراد إبراهيم عليه السلام بالحجة الثانية ، هو تبيان للخصم يريه أن من كان من شأنه القدرة على إماتة الأحياء وإحياء الموتى ، لا بدّ أن تكون عنده القدرة على أن يأتي بالشمس من المغرب
فَبُهِتَ