تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
بشرط أن يعيده إليه بعد الأجل المعلوم الذي يعيّنانه عند استقراضه . بيان ذلك أن حكمة اللّه ولطفه ورحمته بعباده من الناس ، قد اقتضت أن يجعل بعضهم محتاجين إلى البعض بمقتضى نظام مدنيّتهم وتشابك مصالحهم في معاشهم وشؤون حياتهم ، واقتضت رحمته أن يأمر بالتعاون والإحسان ، وأن يعود الغنيّ على الفقير بجوده ، وأن يرجع المحتاج إلى الميسور بطلبته ، وأن ينفق بعض مال المتموّلين لنصر الحق وأهله ولدفع الباطل وأهله . كما اقتضت حكمته أن يرغّب الإنسان بالإنفاق في سبيل اللّه وفي الجهاد على الأخص ، وأن يوفقه لتنحية شح نفسه ونزعات حرصه فجاء بهذه الآية من القرآن الكريم على أحسن وجه من الترغيب وأجمل طريقة في الحض على البر وعمل الخير والمضيّ في طريق إصلاح البشر من أجل سعادتهم فقال سبحانه :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
أي مقرونا بالإخلاص وطيب النفس . والمراد بإقراضه عزّ وعلا هو الإنفاق في طاعته وفي الطرق المقررة من عنده سبحانه . وإقراضه هو أيضا ما يطلب به ثوابه الجزيل . فمن أقرضه في الموارد المذكورة
فَيُضاعِفَهُ لَهُ
أي يكثر له جزاءه ويزيد في ثوابه وتعويضه . والصيغة للمبالغة ، فإنه تعالى يزيد في ذلك
أَضْعافاً كَثِيرَةً
ولم يحدّدها لأنه لا يحصيها غيره ولا منتهى لها . يدل على ذلك ما رواه الصدوق في معاني الأخبار ، والخزاز في الصحيح ، والعياشي ، عن علي بن عمار عن الصادق عليه السلام حيث قال : لما نزل : من جاء بالحسنة فله خير منها ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : أللهمّ زدني ، فأنزل : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، فقال : ربّ زدني ، فأنزل اللّه : من ذا الذي يقرض اللّه قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ، فعلم رسول اللّه ( ص ) أن الكثير منه لا يحصى وليس له منتهى
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ
أي يقترّ على قوم ويوسّع على آخرين ، حسب مصلحة كل واحد ، فلا تبخلوا عليه بما وسّع عليكم فيقترّ عليكم كما فعل بهم فإنّ أمر الرزق بيد اللّه تعالى . وهذا الإقراض المضاعف الأجر والعوض هو من أعظم نعمه على العباد ، فليغتنم ذو السعة فرصة الإنفاق
الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 307 | الشيخ محمد السبزواري النجفي