تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
والمنافقين وقتّر على المؤمنين المتّقين مع أنّ بيده التوسيع والتقتير ! . ولكن لا يسهو عن بال العاقل أنّ الكفّار مبتلون بالدنيا ورزقها وزينتها ونعيمها ، وأنّ السّعة كانت سببا لتعلّقهم بها ، وأنّ التقتير وإن كان منه تعالى ، ليس وقفا على المؤمن الذي مهما بلغت به السّعة لا تفتنه زينة الحياة . فدفعا لهذه الشّبهة المقدّرة قال سبحانه :
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
. أي أنّ أمر الرزق بيده تعالى ، يقتّر على بعض ويوسّع على آخرين استدراجا تارة ، وابتلاء أخرى ، وكلاهما ناشئان عن الحكمة والمصلحة اللّتين لا يعلم بهما المخلوق . فلا حقّ لمن لا يعلم ، أن يتكلّم على من يعلم بجميع الأمور من الذرّة إلى الدرّة . والحاصل أنّه ليس المثرى مجبورا على إقباله على زينة الحياة ومغرياتها لسعته ، ولا غيره ملزما بأن يدبر عنها أو يقبل على الآخرة لقلّة ذات يده ، بل كلاهما يفعلان ما يفعلان بالاختيار . وقوله سبحانه : بغير حساب ، يعني بشكل لا يعرف حسابه المخلوق البشريّ ولا غيره ، ولا يعرفه غير الخالق الرازق الذي كلّ شيء عنده بمقدار في الدّنيا والآخرة ، ولا يغرب عن علمه شيء ولو كان مثقال ذرّة . 213 -
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
. . . أي أن أولاد آدم كانوا أهل دين واحد وملّة واحدة بعد آدم عليه السلام ، وهو دين اللّه الذي بعث به آدم واتّبعه صالحو ذرّيته . فلمّا توفّاه اللّه أوصى إلى ابنه شيث عليه السلام ليقوم مقامه . ولكنه لم يقدر أن يعمل بوصاياه كاملة ، لأن هابيل كان حسودا فهدّده بالقتل وتوعّده بأن يفعل به ما فعل بقابيل حين قتله وارتكب أول جريمة على وجه الأرض . لذا سار شيث بالمؤمنين بالتّقية وكتمان أمر نبوّته بعد أبيه عن بعض من هم على شاكلة أخيه ، ثم لما مضت عليه برهة من الزمان على هذه الكيفية لا يستطيع الأمر بالمعروف ولا النّهي عن المنكر ، ولا يسمع له قول ، لحق بجزيرة في البحر وأقام يعبد اللّه فيها إلى أن مات . . . وبمرور الزمن صار دين اللّه نسيا منسيا وصار الناس في ضلال وحيرة ، فلا هم مؤمنون ، ولا هم كافرون ولا مشركون ، ولكنهم