تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وآله : عليكم بدين العجائز ، فيه إشارة إلى ما ذكرنا من تحصيل المعرفة عن طريق مطالعة حقائق هذه الموجودات وفطرتها ، للتوصل إلى معرفة صانعها ومدبّرها . . ثم كرّر سبحانه عظمة هذه الآية بقوله :
وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
ليشير في هذه الآية الكبرى إلى أن ذلك مسخّر ومأمور ، أي متذلّل خاضع للنواميس التي أبدعها له اللّه ، سواء كان واقفا أو متحرّكا ، فليس له اختيار في وقوفه ولا في حركته ، ولا في حمل الماء من منابعه التي أمره اللّه سبحانه أن يأخذ منها ويحمله إلى أرجاء المعمورة ، كما أنه لا شأن له في اختيار الأمكنة ، ولا بالكميّة ولا بالكيفيّة ولا في غير ذلك من الجهات المرتبطة به . هذا ، وليس السحاب وحده مسخّرا بحسب جبلته التكوينيّة ، بل جميع آياته عزّ وعلا بين يدي قدرته فيما هو راجع لها ، لأنها بذاتها مفطورة من لدنه على ذلك . فهذه الجهة الدقيقة في تسخير السحاب بين السماء والأرض حسب مشيئة الصانع ، هي أدلّ دليل على الصانع وتوحيده ، وأعظم حجة على وجوده ، فتعالى اللّه عما يقول الجهلة الظالمون عليهم لعائن اللّه ، فإن في ذلك
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
أي أنها كلّها دلائل واضحة وبراهين ساطعة على صانع وحيد ، لكنها ليست كذلك لجميع البشر ، بل لطائفة خاصة وقوم موفّقين للتعقّل والتأمّل في الكون والكائنات ، فإنهم وحدهم يعرفون الصانع الخالق ، وهذا ما يسمّى بالدليل اللّميّ . 165 -
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ
. . . من ، هنا للتبعيض ، أي أن بعض الناس يتّخذ غير اللّه أمثالا له من الأصنام والرؤساء الضالّين المضلّين فيتّبعونهم ، بدلالة قوله تعالى في الآية اللاحقة :
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا
. وقال الباقر عليه السلام : هم أئمة الظّلمة وأشياعهم
يُحِبُّونَهُمْ
يوادّونهم ويعظّمونهم ويخضعون لهم وينقادون لأوامرهم ، وحبّهم لهم
كَحُبِّ اللَّهِ
أي كما يحبّ اللّه ، وقد استغنى عن ذكر الفاعل لكونه معلوما .