في كتاب اللّه كثيرة قد صارت موجبة لوقوعهم فيما وقعوا فيه . وأحسن ما يقال فيها هو أنه تعالى يريد أن يذكّر كل إنسان وينبّهه إلى أنه في كلّ مرتبة أو مقام سام كان من المراتب والمقامات الإمكانية - لا بدّ أن يتوجّه ويلتفت إلى نفسه ، وأن له شأنيّة التحوّل والتغيّر لأنهما من لوازم ذاته الإمكانية ، فلا يفرّنّ بمقامه السامي الذي أعطاه اللّه إياه ، ويقع في زلّات ومزالق مهلكة ، وخطرات موبقة ، وأن الحق الثابت ، الذي لا تتطرّق إليه النقائض أزلا وأبدا ، هو ذاته تعالى ، الواجب الوجود بالذات . أما الذّوات الإمكانية كلّها ، فهي في معرض الحوادث والتغيّر والتبدل وفي حال التعرّض للزلّات إلّا أن يعصمهم اللّه منها فيخرجون من صفّ غيرهم بالامتياز . فهذه التنبيهات والتذكيرات والخطابات المخوفة كلّها ألطاف إلهيّة للأنبياء ولمن لهم الأهلية لها ، ولذا فإن استعاذات المعصومين ، وبكاءاتهم واستغاثاتهم ليست كلها في مقام تعليم الأمّة فقط ، بل هم يرون أنفسهم محتاجين إلى الإفاضات الإلهية في كل آن ، فلا يزالون مستعيذين به سبحانه سائلين منه العصمة والحفظ . ولذا كان العارفون باللّه في خطر عظيم ، لأن قصورهم يعد بنظرهم تقصيرا ، لأن عليهم تكاليف غير تكاليف الجهلة ، وحسابهم غير حساب القاصرين ، وإنما يجزى الإنسان على قدر معرفته وعمله بما عرف .
والحاصل أنّ حمل تلك الآيات على خلاف ظاهرها حمل بلا وجه ، بل لعل التفسير لا يرضى عنه صاحبه ، ولكن لا ينافي حملها على ظاهرها لمقام العصمة على ما بيّنا ، لأن مرحلة الثبوت غير مرحلة الإثبات ، حيث إنهم في مرحلة الإثبات معصومون بألطافه جلّ وعلا . بل حتى في مرحلة عالم الظاهر قد تصدر عنهم بعض الأمور قصورا في بعض الأوقات بحيث يقعون في معرض الخطاب الاعتراضيّ لمصلحة اقتضت وقوعهم فيه ، وبعد الخطاب ينتبهون إلى ما صدر منهم فيندمون عليه . وقد قال أرباب تاريخ الأنبياء : إن موسى بن
الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 165
مساهمون: الشيخ محمد السبزواري النجفي
ص١٦٥