الفصل الثالث والثلاثون في عتاب المقربين وذوي المقامات الرفيعة حين ارتكاب الأخطاء والذنوب
على من ينشدون العظمة والوصول إلى المقامات العالية الرفيعة أن يتحمّلوا الصعاب ويتجملوا بالصبر في أزمانهم . فإذا ما بدت من هؤلاء هنات وأخطاء وعوتبوا جهارا ، فإن ماء وجوههم يراق ولا يرد لهم اعتبارهم وحرمتهم إلا بقدر كبير من الإحسان والمكافئة والتقدير . إنه لمن الأولى ، إذا ما ارتكب أحدهم خطأ ، أن يغض الطرف عنه في حينه ، ثم يستدعى سرا ، ويقال له : « لقد فعلت كذا وكذا ، لكننا رغبة منا في عدم الإطاحة بمن قربناهم وأوصلناهم إلى هذه المنزلة قد تجاوزنا عن ذلك .
عليه أن يتجنب الوقوع في الخطأ ، وألا يجرؤ على ارتكاب شيء من هذا القبيل من بعد « 1 » . لكنه إذا ما أعاد الكرّة يخرج من كنفنا وخدمتنا وحشمنا فيكون حينئذ هو الذي اختار هذا لا نحن » .
* * * سئل أمير المؤمنين « 2 » رضي اللّه عنه - : « أي الرجال أشجع ؟ » ؛ فأجاب : « من يتمالك نفسه عند الغضب ، ولا يأتي بعمل يندم على فعله بعد أن يسكن غضبه ، فلات ساعة مندم » .
إن كمال عقل المرء في ألّا يغضب ، فإن غضب يجب أن تكون الغلبة لعقله على غضبه وليس العكس .
إن من يستولي هوى نفسه على عقله فإن غضبه ، حين يثور ، يطغى على عقله فيتصرف تصرف المجانين في أقواله وأفعاله . لكن من يكبح عقله جماح نفسه إبّان غضبها ، فإن عقله يستطيع طرد أهواء نفسه وميولها والانتصار عليها ، فتلقى أقواله وأعماله قبولا لدى العقلاء ، ولا يدري الناس أغاضب هو أم لا .
هامش
( 1 ) لاحظ انتقال المؤلف هنا من ضمير الخطاب إلى الغيبة أيضا .
( 2 ) أي الإمام علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه .