تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨

الفصل الثامن عشر في استشارة الملك للحكماء والمسنّين في الأمور

المشاورة في الأمور من قوة رأي المرء وكمال عقله وبعد نظره . فلكل امرئ علم ، والناس متفاوتون فيما يعرفون . فثمة كثير العلم والدراية ، وآخر قليلهما ، ومنهم ذو العلم الذي لم يزاوله ولم تعركه التجارب ، وآخر عالم خبير مجرب . فالذي قرأ علاج الآلام والأدواء وحفظ أسماء الأدوية جميعها من بطون الكتب حسب ، لا يمكن ، بأية حال ، أن يقف على قدم المساواة مع من عالج الأمراض والعلل مرات كثيرة وعرف الأدوية عن خبرة وتجربة . ولا يمكن ، كذلك ، مساواة من سافر كثيرا وطوّف في الآفاق وذاق حرّها وبردها ، وعرك الأعمال بنفسه بمن لم يسافر ولم يجب البلدان ويقتحم ميدان العمل ، أو يخض غمار الأمور قط . قيل في هذا المعني : « يجب تدبر الأمور باستشارة الحكماء والمسنين وذوي التجارب والأسفار » . ومن الناس ، أيضا ، من هو متوقد الذهن يتبين الأمور بسرعة ، ومن هو بطيء الفهم . قالت الحكماء : « إن تدبير رجل واحد بقوة رجل واحد ، وتدبير اثنين بقوة اثنين ، وتدبير عشرة بقوة عشرة » . وعلى أية حال ، فطاقة عشرة رجال أكثر من طاقة رجل واحد وأقوى ، وخطة عشرة أشخاص أقوى من خطة شخصين أو ثلاثة أو خمسة . والناس قاطبة متفقون على أنه لم يكن في البشر أعلم وأحكم من نبينا محمد المصطفى ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، فقد اجتمعت له العلوم كلها ، وكان يعرف المستقبل معرفته الماضي ، وقد اطلع على السماوات والأرض ، والجنة والنار ، واللوح والقلم ، والعرش والكرسي ، وما بين كل اثنين منها ، وكان جبرائيل ( عليه السلام ) يهبط عليه دائما ويوحي إليه بما كان وبما لم يكن . ومع ما كان له من فضائل ومعجزات ، فقد خاطبه اللّه تعالى بقوله :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
« 1 » . ومع أن الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) لم يكن في حاجة إلى المشورة ، فليعلم أن ليس ثمة مخلوق يمكن أن يكون في غنى عنها .
هامش
( 1 ) آل عمران : آية 159 .