نفسه معلما يقول : « افعل هذا » و « لا تفعل ذلك » و « لما ذا فعلت ذلك ؟ » و « يجب ألّا تفعل هذا » . فهذه أمور يصعب على الملوك قبولها وتحملها ، وهي تجر إلى الكراهية .
أما المعاشرة والتنزه ومجالس الأنس والشراب والصيد واللعب بالطبطابة « 1 » والميسر وغيرها ، فمن الأفضل أن يتدبرها الملوك مع الندماء لأنهم أعدوا لمثل هذا . وأما ما يختص بشؤون المملكة والعمران ، والحرب والهجوم والعقوبات والذخائر والصلات والسفر والإقامة والجيش والرعية وأمثال هذا ، فمن الأولى تدبره مع الوزراء وكبراء الدولة والمسنين من ذوي التجارب والخبرات والأسفار ، فهم في هذه الأمور أخبر وأدرى وأدهى . هكذا يوضع كل أمر في نصابه .
لقد اتخذ بعض الملوك ندماءهم من الأطباء والمنجمين ، وقالوا : الطبيب يبين منافع كلّ مأكول ومضاره ، وينصح الملك بما يوافقه ولا يوافقه ، ويحفظ له سلامة مزاجه . أما المنجم فيرقب الوقت ويعلن عن أوقات السعد والنحس ، ويختار وقت كل ما ينوي الملك القيام به من أعمال ، في حين عدهما بعض الملوك عبئا . قالوا : « إن الطبيب ، ولا مرض ، يحول بيننا وبين الأطعمة الشهية دائما ، ويصف لنا الأدوية ؛ ويفصدنا ، دون تعب أو ألم . أما المنجم فيمنعنا من مزاولة الأعمال وأداء الواجبات والمهام . وحين تنعم النظر تجد أنهما يحولان دائما بيننا وبين تحقيق أهدافنا ، فضلا عن لذائذ الدنيا وشهواتها ، وينغصان علينا عيشنا . وهذا ما يتطلب استدعاؤهما وقت الحاجة فقط » .
يفضل أن يكون الندماء من ذوي التجارب والأسفار ، وممن خدموا العظماء ، والأكابر . فإذا ما أراد الناس التعرف على أخلاق الملك وعاداته ، فإنهم يقيسونه بندمائه . فإن يكونوا ذوي أخلاق حميدة وطباع رحبة صبرا وذوي شهامة وظرف يدركوا ، آنئذ ، أن الملك حسن الخلق والطباع ، محمود السيرة ، حلو الشمائل والعادات ؛ وإن يكونوا مقطبي الوجوه متعجرفين ، مستخفين ، متكبرين ، بخلاء رعناء ، وممن يطلبون المحال ، فإن الناس يستدلون على أن الملك سيئ الطبع والخلق والسيرة ، ممسك ، شرير ، متهور .
ولكل نديم رتبة ومقام ، إذ خصصت أماكن لجلوس بعضهم وأماكن لوقوف بعضهم الآخر ، فيما كانت العادة قديما ، في مجالس الملوك والخلفاء ، وما زال هذا الرسم ساريا في الأسرات العريقة إلى اليوم . فللخليفة من الندماء ما كان لآبائه من قبل .
أما سلطان غزنين ، فكان له عشرون نديما : عشرة جلوس ، وعشرة قيام ، وقد حذا حذو السامانيين في هذا .
يجب أن تكون لندامى الملك رواتب لعيشهم ، وحرمة تامة بين حشمه . أما هم فعليهم أن يكونوا متحفظين مهذبين وللملك محبين .
هامش
( 1 ) الطباطبة خشبة عريضة يلعب بها بالكرة . ( اللسان - طبب ) .