تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « آية المنافق ثلاث : إذا وعد أخلف ، وإذا حدّث كذب ، وإذا اؤتمن خان » . و في الحديث الآخر في الصحيح : « أربع من كنّ فيه ، كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها » فذكر منهن إخلاف الوعد . وذهب الإمام مالك رحمه اللّه تعالى إلى أنه إذا أدخل الواعد الموعود به في ورطة ، وجب الوفاء به ، كما لو قال لغيره : تزوج ولك علي كل يوم كذا ، فتزوج وجب عليه أن يعطيه ، ما دام كذلك ، لأنه تعلق به حق آدمي ، وهو مبني على المضايقة . وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب ديانة مطلقا الوفاء بالوعد ، وإن كان يجب ديانة ومروءة ، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم ، فلما فرض نكل عنه بعضهم ، كقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ : كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ، وَآتُوا الزَّكاةَ ، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ، وَقالُوا : رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ، لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ، قُلْ : مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ، وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا . أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
[ النساء 4 / 77 - 78 ] وقال تعالى :
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا : لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ؟ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ، وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ ، رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
[ محمد 47 / 20 ] . ثم ذمّهم سبحانه على مخالفة القول العمل ، فقال :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
أي عظم جرما أن تقولوا قولا وتفعلون غيره ، فإن خلف الوعد دليل على حب الذات ( الأنانية ) وإهدار لمصلحة وكرامة ووقت الآخرين ، وإخلال بالثقة بين الأفراد والجماعات ،