تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
صراحة أم إشارة أم نحو ذلك ، لما فيه من الأذى بالمغتاب . وهو يتناول كل ما يكره ، سواء في دينه أو دنياه ، في خلقه أو خلقه ، في ماله أو ولده أو زوجته أو خادمه أو لباسه ونحو ذلك . و قد فسر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم الغيبة فيما رواه أبو داود والترمذي وابن جرير عن أبي هريرة قال : قيل : يا رسول اللَّه ما الغيبة ؟ قال صلّى اللَّه عليه وسلّم : « ذكرك أخاك بما يكره ، قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال صلّى اللَّه عليه وسلّم : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه » أي فإن كان الوصف موجودا فيه فهو الغيبة ، وإن كان مفترى والمغتاب خال من ذلك ، فذلك هو البهتان . و روى أبو داود أيضا عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت : قلت للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم : حسبك من صفية كذا وكذا - أي قصيرة - فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم : « لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته » قال معاوية بن قرّة : لو مرّ بك رجل أقطع ( مقطوع اليد ) فقلت : هذا أقطع كان غيبة . ثم شبّه اللَّه تعالى الغيبة بأكل لحم الإنسان الميت للتنفير ، وهو أيحب أحدكم أن يتناول لحم أخيه بعد موته ؟ فكما كرهتم هذا ، فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا ، فإنه تعالى مثّل الغيبة بأكل جثة الإنسان الميت ، وهذا من التنفير ، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية ، فضلا عن كونه محرّما شرعا ، وفي الآية أنواع من المبالغات : منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه ، وإسناد الفعل إلى
أَحَدُكُمْ
للإشعار بأن لا أحد يحب ذلك ، وتقييد المكروه بأكل لحم الإنسان ، وتقييد الإنسان بالأخ ، وجعل الأخ أو اللحم ميتا ، فيه مزيد تنفير للطبع . وهذا دليل على تحريم الغيبة وعلى قبحها شرعا ، لذا كانت الغيبة محرّمة بالإجماع وعلى المغتاب التوبة إلى اللَّه والاستحلال ممن اغتابه ، ولا يستثني من
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 257 | وهبة الزحيلي