تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
أخرج الإمام أحمد والترمذي والبيهقي عن معاوية بن حيدة قال : سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول : « في الجنّة بحر اللبن ، وبحر الماء ، وبحر العسل ، وبحر الخمر ، ثم تشقّق الأنهار منها بعد » . ثم ذكر اللَّه تعالى المأكول الممتع وهو الثمار والفواكه اليانعة ، فللمتقين في الجنّة مختلف أنواع الثمار وأصناف الفاكهة ذات الألوان البديعة ، والروائح الذكية ، والطعوم الشهية ، كقوله تعالى :
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ
[ الدخان 44 / 55 ] ، وقوله سبحانه :
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ
[ الرحمن 55 / 52 ] . ولما كان الأكل في الجنة للذة لا للحاجة ذكر الثمار ولم يذكر اللحم والخبز . وبعد بيان الجزاء المادي من المشروب والمأكول ذكر تعالى الجزاء المعنوي وهو ظفر أهل الجنة مع ذلك كله بمغفرة اللَّه ورضوانه وتجاوزه عن سيئاتهم وذنوبهم كرما وحلما وفضلا ورحمة ، والمغفرة تكون قبل دخول الجنة ، فقوله :
وَمَغْفِرَةٌ
معطوف على قوله :
لَهُمْ
كأنه قال تعالى : لهم الثمرات فيها ، ولهم المغفرة قبل دخولها . ثم قارن اللَّه تعالى ما وعد به المتقين من النعيم بما أوعد به الكافرين من الجحيم ، فأبان : أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة وبيّنا ما هم فيه من نعيم وخلود ، كمن هو خالد في النار ؟ لا شكّ أنه لا يستوي من هو في الدرجات كمن هو في الدركات ، وليس أهل الجنة التي فيها الثمار والأنهار كأهل النار التي فيها الحميم في العذاب الأليم ، كما قال تعالى :
وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ
[ محمد 47 / 12 ] . فالخلود صفة مشتركة بين أهل الجنة وأهل النار ، ولكن شتّان ما بين النوعين ، الأولون خالدون في النعيم المقيم ، والآخرون خالدون في العذاب الأليم .