على أية حال ما جاء في تعريف السلامة من وجهة نظر منظمة الصحة العالمية « 1 » لا يرتبط بالتقوى أو بانعدامه . ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن نغفل عما ترفدنا به الثقافات الإلهية سيما الاسلامية ونتجاهل أخذها بالحساب عند تدارس مدلولات ومقاييس الصحة النفسية .
لا يتمتع الشخص بالسلامة والصحة النفسية إلّا إذا كان سلوكه سويا ومناسبا مع مجتمعه . فمثل هذا السلوك ينشأ عن منطقية وواقعية الفكر والفهم الصحيح والقدرة على إبداء الانعكاس ( رد الفعل ) السوي الذي يدفع الشخص السليم لتكوين ارتباط سوي مع مجتمعه .
فالشخص السليم يكون منطقيا ( سواء في شعوره بالرضا أو في اعتلاجه القلق والهواجس ) ، متحملا لضغوط الحياة متحكما بمخاوفه واضطرابه ضابطا لها ، مرنا في سلوكه « 2 » ، محبا لذاته وللآخرين ، محددا توقعاته من نفسه بحسب قدراته ومواهبه ، متعايشا مع حاضره وواقعه « 3 » .
أما الشخص الغير سليم فإنه يبدي مشاعر اللا رضا ويعتلج هواجس وقلقا غير واقعي ويتعذر عليه ضبط مشاعره وعواطفه وغضبه إزاء الضغوط النفسية وينأى عن المنطق في تفكيره ويركن أما للإفراط أو التفريط ويفتقد المرونة في سلوكه وقد يستدخل أحاسيس النفور من ذاته ومن الآخرين ولا تتناسب توقعاته من نفسه مع قدراته ويغفل عادة عن حاضره وظروفه في أفكاره التي تسرح به في أجواء الماضي المنقضي أو أوهام المستقبل .
إن الإنسان يخوض مواجهة مستمرة مع الضغوط النفسية والإثارات
هامش
( 1 ) تدارسنا هذا الموضوع بأسلوب تحليلي نقدي في الفصل الأول من الكتاب .
( 2 ) تشير إلى ذلك الكثير من الروايات في باب مسايرة الناس واجتناب المراء وما إليها .
وهو ما نستوحيه أيضا من كلام رائع للإمام علي ( ع ) حيث قال : « المؤمن غريزته النصح وسجيته الكظم » . ( غرر الحكم ، المجلد 1 ، ص 47 )
( 3 ) هذا ما نستقرأه من شعر منسوب للإمام علي ( ع ) ، حيث جاء فيه :ما فات مضى وما سيأتيك فأين * قم فاغتنم الفرصة بين العدمين