أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً
أي أنسجد للذي أمرتنا بالسجود له ، لمجرد قولك ، من غير أن نعرفه ، وزادهم هذا الأمر بالسجود نفورا وإعراضا ، وبعدا عن الحق والصواب ، ومن حقه أن يكون باعثا على الفعل والقبول .
وقد اتفق العلماء رحمهم اللّه على أن هذه السجدة التي في الفرقان يشرع السجود عندها لقارئها ومستمعها . وهذا شأن المؤمنين الذين يعبدون اللّه الذي هو الرحمن الرحيم ، ويفردونه بالألوهية ، ويسجدون له . روى الضحاك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه سجدوا ، فلما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين . فهذا هو المراد من قوله :
وَزادَهُمْ نُفُوراً
أي فزادهم سجودهم نفورا .
وبعد أن حكى سبحانه عن الكفار مزيد النفرة عن السجود ، ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن ، فقال :
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً
يمجّد اللّه تعالى نفسه ويعظمها على جميل ما خلق في السماوات ، فيذكر أنه تعاظم وتقدس اللّه الذي جعل في السماء كواكب عظاما ومنازل لتلك الكواكب السيارة وغيرها ، التي عدها المتقومون ألفا ، ورصدتها الآلات الحديثة أكثر من مائتي ألف ألف ، وجعل في السماء سراجا وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في الوجود ، كما قال :
وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً
[ النبأ 78 / 13 ] وجعل في السماء أيضا قمرا منيرا ، أي مشرقا مضيئا ، كما قال تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ، وَالْقَمَرَ نُوراً
[ يونس 10 / 5 ] .
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً
أي واللّه هو الذي جعل الليل والنهار متعاقبين يخلف أحدهما الآخر ويأتي بعده ، توقيتا لعبادة عباده له عز وجل . فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار ،