تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
بأشد الناس بؤسا كان في الدنيا ، فيصبغ في الجنة صبغة ، ثم يقال له : هل رأيت بؤسا قط ، فيقول : لا واللّه يا ربّ » أي كأن شيئا لم يكن . ثم أخبر اللّه تعالى عن قانون عدله التام الدائم في خلقه ، وهو أنه لا يعذب قوما إلا بعد إنذار ، ولا يهلك أمة إلا بعد إعذار وبيان الحجة ، وبعثة الرسل ، فقال :
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ، ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ
أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا بعد إرسالنا إليهم رسلا ينذرونهم من عذابنا على كفرهم ، ويبشرونهم بالنعيم إن آمنوا وأطاعوا ، وذلك تذكرة لهم وتنبيه إلى ما يجب عليهم ، ولم نكن في أي حال ظالمين لهم في عقابهم ، وإنما أصروا على الكفر والجحود وعبادة غيرنا . وهذا المبدأ شهير مكرر في القرآن ، مثل قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء 17 / 15 ] ، وقوله سبحانه :
وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ، وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
[ القصص 28 / 59 ] . ثم ردّ اللّه تعالى على المشركين الذين كانوا يقولون : إن محمدا كاهن ، وإن ما أنزل عليه من القرآن مثلما تلقي الشياطين على الكهنة ، فقال :
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ، وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
أي إن القرآن العظيم لم تلق به الجن والشياطين كسائر ما ينزل على الكهنة ، ولا يتيسر لهم ولا يسهل ولا يتمكنون من ذلك ، فهم عن سمع الملائكة التي تنزل بالوحي مرجومون بالشهب ، معزولون عن استماع كلام أهل السماء . فهذا الإنزال يمتنع عليهم من ثلاثة أوجه « 1 » :
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير : 3 / 349 .