تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وحده ، أو إن كنتم ذوي قلوب موقنة وأبصار نافذة ، والمعنى : إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح ، نفعكم هذا الجواب ، وإلا لم ينفع .
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ
قال فرعون لأشراف قومه
أَ لا تَسْتَمِعُونَ
جوابه الذي لم يطابق السؤال ، سألته عن حقيقة رب العالمين ، فذكر أفعاله ، أو يزعم أنه رب السماوات وهي متحركة بذواتها وغير محتاجة إلى مؤثر ، وهذا مذهب الدهرية ، وفيه تعجب من نسبة الربوبية إلى غيره .
قالَ : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
قال موسى : إنه رب جميع الخلائق وإنه رب المشرق والمغرب ، وهذا وإن كان داخلا فيما قبله الذي استوعب به الخلائق كلها ، فإنه تخصيص بعد تعميم ، لأنه أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل .
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
أسأله عن شيء ويجيبني عن آخر ، وسماه رسولا على سبيل السخرية .
قالَ : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما
قال موسى : إنه الرب الذي تشاهدون آثاره كل يوم ، فيأتي بالشمس من المشرق ، ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله ، حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع ينتظم به أمور الكائنات .
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
إن كان لكم عقل علمتم ألا جواب لكم فوق ذاك . إنه بقوله السابق :
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
لاينهم أولا ، ثم لما رأى شدتهم وخشانتهم عارضهم بمثل مقالتهم .
قالَ : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
قال فرعون ، عدولا إلى التهديد عن المحاجة والمناظرة ، وهكذا شأن المعاند المحجوج . وهذا دليل على ادعائه الألوهية وإنكاره للصانع . واللام في المسجونين للعهد ، أي ممن عرفت حالهم في سجوني ، فإن سجنه كان شديدا ، يحبس الشخص في مكان تحت الأرض وحده ، لا يبصر ولا يسمع فيه أحدا ، حتى يموت ، فكان ذلك أشد من القتل .
قالَ : أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ
أي قال له موسى : أتفعل ذلك ولو جئتك ببرهان على رسالتي يعني المعجزة . والواو في قوله :
أَ وَ
واو الحال ، دخلت عليها همزة الاستفهام .
قالَ : فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
أي قال فرعون له : فائت به إن كنت صادقا في أن لك بينة ، أو في دعواك النبوة ، فإن مدعي النبوة لا بد له من حجة .

المناسبة :

لما سمع فرعون جواب موسى عما طعن به فيه وهو القتل والتربية ، ورأى أن موسى وهارون مصران على دعوتهما إلى توحيد اللّه ، وطلبهما إخراج بني إسرائيل من مصر ، شرع في الاعتراض على الدعوى ، فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل