تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
الأرحام ، ومكارم الأخلاق .
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
أي افعلوا هذه كلها ، وأنتم راجون الفلاح ، غير متيقنين له . والآية آية سجدة عند الشافعية ، لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود ، ولقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « فضلت سورة الحج بسجدتين ، من لم يسجدهما ، فلا يقرأهما » .
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ
أي في سبيله ومن أجله أعداء دينه .
حَقَّ جِهادِهِ
أي جهادا حقا خالصا لوجهه ، وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة ، كقولك : هو حق عالم . وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعا ، أو لأنه مختص باللّه . والجهاد : استفراغ الوسع في مجاهدة العدو ، وهو ثلاثة أنواع : مجاهدة العدو الظاهر كالكفار ، ومجاهدة الشيطان ، ومجاهدة النفس والهوى ، وهذه أعظمها ، فقد أخرج البيهقي وغيره عن جابر قال : « قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قوم غزاة ، فقال : قدمتم خير مقدم ، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، قيل : وما الجهاد الأكبر ؟ قال : مجاهدة العبد هواه » . و روي عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه رجع من غزوة تبوك ، فقال : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » « 1 » .
هُوَ اجْتَباكُمْ
اختاركم لدينه ولنصرته ، وفيه تنبيه على مقتضي الجهاد والداعي إليه .
حَرَجٍ
ضيق وعسر ومشقة ، بتكليفكم ما يشق عليكم ، بأن سهله عند الضرورات ، كقصر الصلاة الرباعية ، والتيمم ، وأكل الميتة ، والفطر للمريض والمسافر . وفيه إشارة إلى أنه لا عذر لأحد في ترك التكليف ، فهو إما عزيمة ، وإما رخصة ، قال صلّى اللّه عليه وسلم فيما رواه ابن ماجة عن أبي هريرة : « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » .
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
أي شريعته ، وإنما جعل أبا للمسلمين ؛ لأنه أبو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو كالأب لأمته ، من حيث إنه سبب لحياتهم الأبدية ، أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته ، فغلّبوا على غيرهم .
مِنْ قَبْلُ
أي من قبل القرآن في الكتب المتقدمة .
وَفِي هذا
أي القرآن .
هُوَ سَمَّاكُمُ
الضمير يعود إلى اللّه ، بدليل قراءة : الله سماكم أو لإبراهيم ، لقوله المتقدم :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
.
لِيَكُونَ الرَّسُولُ
متعلق بسماكم .
شَهِيداً عَلَيْكُمْ
يوم القيامة بأنه بلّغكم ، فيدل على قبول شهادته لنفسه ، اعتمادا على عصمته .
وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
بتبليغ الرسل إليهم ، أي تكونوا أنتم شهداء على الناس أن رسلهم بلّغوهم .
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
أي فتقربوا إلى اللّه بأنواع الطاعات ، لما خصكم بأنواع الفضل والشرف .
وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ
أي وثقوا به في مجامع أموركم ، ولا تطلبوا الإعانة والنصرة إلا منه .
هُوَ مَوْلاكُمْ
ناصركم ومتولي أموركم .
فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
هو ؛ إذ لا مثل له في الولاية والنصرة ، بل لا مولى ولا ناصر سواه في الحقيقة .
هامش
( 1 ) انظر تخريج الحديث ودرجة ضعفه في كشف الخفا .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 283 | وهبة الزحيلي