تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
« نحن معاشر الأنبياء أولاد علّات « 1 » ديننا واحد » يعني أن المقصود هو عبادة اللّه وحده لا شريك له ، بشرائع متنوعة لرسله ، كما قال تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة 5 / 48 ] فليس الاختلاف في أصول العقيدة والأخلاق والفضيلة والعبادة ، وإنما الاختلاف في الفروع والجزئيات والأشكال بحسب الاختلاف في الأزمنة والعصور .
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ
أي إن الأمم اختلفت على رسلها ، بين مصدق لهم ومكذب ، وفرقوا أمر دينهم بينهم فرقا شتى ، وهذا بطريق الالتفات إلى الغيبة للتقبيح ، والأصل : وتقطعتم ، كأنه ينقل عنهم ما أفسدوه إلى آخرين ، ويقبّح عندهم فعلهم ، ويقول لهم : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء . والمعنى : جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا ، كما تتوزع الجماعة الشيء ويقسمونه ، فيصير لهذا نصيب ، ولهذا نصيب ، تمثيلا لاختلافهم فيه ، وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى . وهذا التفرق في أمر الدين الواحد معيب شنيع ، ولهذا قال تعالى متوعدا على فعلهم :
كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ
أي كل فرقة منهم سيرجعون إلينا يوم القيامة ، فنجازي كل واحد بحسب عمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وطريق الجزاء ومنهاجه هو :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ ، وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ
من : للتبعيض لا للجنس إذ لا قدرة للمكلف أن يأتي بجميع الطاعات كلها ، فرضها ونفلها ، والمعنى : ومن يعمل عملا صالحا موافقا لمنهاج اللّه تعالى ، وهو بقلبه ولسانه مصدق بربه ورسله ، أو من يعمل شيئا من الطاعات وهو موحد مسلم ، فلا تضييع لسعيه ، ولا بطلان لثواب عمله ، ولا جحود لعمله ،
هامش
( 1 ) أولاد العلّات : أولاد الرجل من نسوة شتى .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 129 | وهبة الزحيلي