تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
فلا يجوز على نبي اللّه أن يغاضب ربه ؛ لأن ذلك صفة الجاهل كون اللّه مالكا للأمر والنهي ، والجاهل باللّه لا يكون مؤمنا ، فضلا على أن يكون نبيا ، وإنما خرج مغاضبا من أجل ربه ، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه . لكن كان الأولى له أن يصابر وينتظر الإذن من اللّه تعالى في الهجرة عن قومه ، لهذا قال تعالى :
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ
[ القلم 68 / 48 ] كأن اللّه تعالى أراد لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم أفضل المنازل وأعلاها . وقال القشيري : والأظهر أن هذه المغاضبة كانت بعد إرسال اللّه تعالى إياه ( أي يونس ) وبعد رفع العذاب عن القوم بعد ما أظلهم ؛ فإنه كره رفع العذاب عنهم . وظن يونس عليه السلام عند ذهابه أن لا يضيق اللّه عليه بالحبس ، أو ألا يقضي عليه بالعقوبة ، من القدر الذي هو القضاء والحكم ، وورد القدر بمعنى التضييق كما في الآيتين المتقدمتين :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
[ الرعد 13 / 26 ] أي يضيق ، وقوله :
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
[ الطلاق 65 / 7 ] . وورد بمعنى التقدير وهو الحكم ، وليس القدرة والاستطاعة ، كما في قوله تعالى :
فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
[ القمر 54 / 12 ] . ثم أدرك يونس وهو في ظلمات الليل والبحر وبطن الحوت أنه ظلم نفسه في الخروج من غير أن يؤذن له ، أو في ترك الصبر على قومه ، وليس في ذلك من اللّه عقوبة ؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا ، وإنما كان ذلك تمحيصا وتعليما ، وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان ، فتضرع إلى اللّه وجأر إليه بالدعاء المتقدم :
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ ، سُبْحانَكَ . .
فأكرمه اللّه تعالى ، وحماه من أن يهضم الحوت جسده ، وإنما جعله له سجنا فقط ، ثم أمر الحوت بإلقائه ، فطرحه على ساحل البحر .