تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
وكل من الفريقين يرزقهم ربهم في الدنيا ؛ لأن عطاءه ليس ممنوعا عن أحد ، ولكنهم متفاضلون في الرزق ، ومراتب التفاوت في الآخرة أكثر من مراتب تفاوت الدنيا .

التفسير والبيان :

هذه الآيات تصنيف عام لأحوال الناس في الدنيا ، فهم فريقان : فريق يعمل للدنيا ، وفريق يعمل للآخرة . أما الفريق الأول فهو :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ . . .
أي من كان طلبه الدنيا العاجلة ، وكانت الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه ، فخصها بكل جهده وعمله ، ونسي الآخرة ، عجل اللّه فيها تحقيق أمله حسبما يشاء ويريد ، من سعة الرزق وترف الحياة ، فليس كل من طلب الدنيا ونعمها يحصل له مراده ، بل إنما يحصل لمن أراد اللّه وما يشاء ، فالعطاء الدنيوي مقيد بالإرادة والمشيئة الإلهية ، والقيد يشمل أمرين : ما يشاؤه اللّه لا ما يحبه العبد ، ولمن يشاء اللّه ، لا لكل من أراد الدنيا ، فهؤلاء الماديون لا يعطون كل ما يريدون ، وإنما يعطون بعض أمانيهم ، والكثير من الماديين لا يعطون شيئا أبدا ، فيجمعون بين فقر الدنيا وفقر الآخرة ، وبين الحرمان من الدنيا والدين . ولكل من هؤلاء الماديين ، سواء أعطوا مرادهم أم لا جهنم يصلونها أي يقاسون حرها بصفة دائمة ، مذمومين من اللّه والملائكة والناس أجمعين على قلة الشكر وسوء العمل والتصرف ، مطرودين من رحمة اللّه تعالى . فهذا العقاب ذو أوصاف ثلاثة في الآية : الدوام والخلود ، والإذلال والإهانة ، والطرد من رحمة اللّه . وهذا تهديد للماديين الكفرة وزجر شديد ، فإنهم يحصرون همهم في الدنيا ، وربما لم ينلهم شيء منها . روى أحمد عن عائشة مرفوعا : « الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له » .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 43 | وهبة الزحيلي