تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ . . .
أي إنه تعالى يمد الفريقين : مريدي الدنيا ومريدي الآخرة بالأموال والأرزاق والأولاد وغيرها من مظاهر العز والزينة في الدنيا ، فإن عطاءه لا يمنع عن أحد ، مؤمنا كان أو كافرا ؛ لأن الكل مخلوقون في دار العمل ، فاقتضى عدل اللّه ورحمته ألا يترك لأحد مجالا للعذر ، وأبان أن عطاءه ليس بمحظور ، أي غير ممنوع ، لتوفير متطلبات الحياة ومقوماتها . ثم أوضح اللّه تعالى أن عطاءه لكلا الفريقين متفاوت فقال :
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ . .
أي انظر بعين الاعتبار كيف جعلنا الفريقين متفاوتين في عطاء الدنيا ، وكيف فضلنا بعضهم على بعض في الرزق ومتاع الدنيا ، فمنحناه مؤمنا ، وحجبناه عن مؤمن آخر ، وأعطيناه كافرا ، ومنعناه عن كافر آخر ، وذلك لحكمة بالغة نحن أعلم بها ، كما قال :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
[ الزخرف 43 / 32 ] وفي آية أخرى :
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ، لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ
[ الأنعام 6 / 165 ] وقال سبحانه أيضا :
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
[ الشورى 42 / 27 ] .
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ . . .
أي والتفاوت في الآخرة أكبر وأعظم ، والتفاضل في درجات منافع الآخرة أكبر من التفاضل في درجات منافع الدنيا ، فالدرجات أكبر ، والتفاضل أعظم ؛ لأن الآخرة ثواب وأعواض وتفضل وكلها متفاوتة ، فأهل النار في دركات سفلى متفاوتة ، وأهل الجنة في درجات عليا متفاضلة ، فإن الجنّة مائة درجة ، ما بين كل درجتين ، كما بين السماء والأرض ، جاء في الصحيحين : « إن أهل الدرجات العلا ليرون أهل عليين ، كما ترون