تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
مفهوم العقاب عند الرومان والعرب وغيرهم ، إذ كانوا يعاقبون غير المجرم . ويتضاعف العقاب والإثم على دعاة الضلال بسبب تأثيرهم في الآخرين ، دون إعفاء من يتبعونهم في ضلالهم من الوزر والعقاب ، لقوله تعالى :
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
[ النحل 16 / 25 ] وقوله سبحانه :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
[ العنكبوت 29 / 13 ] فعلى الدعاة إثم ضلالتهم في أنفسهم ، وإثم آخر بسبب إضلالهم غيرهم .
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
أي لكن مقتضى العدل والحكمة والرحمة أننا لا نعذب أحدا في الدنيا أو الآخرة على فعل شيء أو تركه إلا بعد إنذار ، ولا نعاقب الناس إلا بعد إعذار وبعث الرسل إليهم ، لإقامة الحجة عليهم بالآيات المبينة للأحكام والحلال والحرام والثواب والعقاب ، كما قال تعالى :
كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ؟ قالُوا : بَلى ، قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ ، فَكَذَّبْنا وَقُلْنا : ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ . .
[ الملك 67 / 8 - 9 ] وقال عز وجل :
وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ ، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ، قالُوا : بَلى ، وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ
[ الزمر 39 / 71 ] ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن اللّه تعالى لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه ، ودعوته إلى الخير ، وتحذيره من الشرّ . وأما كيفية وقوع العذاب بعد إرسال الرسل فهي كما أخبر تعالى :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً . . .
أي إذا دنا وقت إهلاك قوم بعذاب الاستئصال أمرنا مترفيها بالطاعات والخيرات ، أي الأمر بالفعل ، فإذا خالفوا ذلك الأمر وفسقوا وخرجوا عن الطاعة وتمردوا ، حق أو وجب عليهم العذاب جزاء وفاقا لعصيانهم ، فدمرناهم تدميرا وأبدناهم إبادة تامة ، شملت جميع أهل
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 36 | وهبة الزحيلي