تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
حقه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نافلة على الخصوص ؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وأما غيره من أمته فإن النوافل تكفّر ذنوبهم . ورد ابن جرير هذا القول ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان مأمورا بالاستغفار
وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
[ النصر 110 / 3 ] وكان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يزيد في الاستغفار في اليوم على مائة مرة ، وكلما اشتد قرب العبد من ربه ، كلما زاد خوفه منه ، وإن كان السيد قد أمّنه ، وذلك مقام يعرفه أهله .
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
أي افعل هذا الذي أمرتك به ، لنقيمك يوم القيامة مقاما محمودا ، يحمدك فيه الخلائق كلهم ، وخالقهم تبارك وتعالى ، كما قال ابن كثير . وأجمع المفسرون - كما ذكر الواحدي - على أنه مقام الشفاعة العظمى في إسقاط العقاب . وهو - كما ذكر ابن جرير - مقام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يوم القيامة للشفاعة بالناس ، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم . وكلمة
عَسى
في كلام العرب تفيد التوقع ، وهي هنا للوجوب ؛ لأنها تفيد الإطماع ، ومن أطمع إنسانا في شيء ثم حرمه ، كان غارّا ، وهذا المعنى مستحيل على اللّه تعالى ، فهذه الكلمة من الكريم إطماع محقق الوقوع ، وهي من اللّه باتفاق المفسرين واجب . والمقام المحمود : هو المكان المرموق ، والمركز المعلوم المعدّ للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وهو كما بينا مقام الشفاعة التي يتخلى عنها كل نبي ورسول ، أما الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيقول : « أنا لها أنا لها » ، فيشفع بالخلق جميعا لتقديمهم للحساب ، وتخليصهم من وهج الشمس الشديد التي تدنو من الرؤوس ، ويتمنون الانصراف ولو إلى النار . روى مسلم بسنده عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في قوله تعالى :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
قال : « هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه » .