تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته . وقد استجاب اللّه دعاه في بعض ذريته دون بعض . وكان هذا الدعاء حين ترك هاجر وابنه إسماعيل ، وهو رضيع ، في مكة ، قبل بناء البيت الحرام . ثم ذكر أنه افتتن بعبادة الأصنام كثير من الناس فقال :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ . .
أي يا رب إن الأصنام كانت سببا في ضلال كثير من الناس عن طريق الهدى والحق ، حتى عبدوهن . وقد أضيف الإضلال إلى الأصنام ؛ لأنها كانت سببا في الضلال عند عبادتها ، وذلك بطريق المجاز ، فإن الأصنام جمادات لا تفعل .
فَمَنْ تَبِعَنِي . .
أي فمن صدقني في ديني واعتقادي ، وسار على منهجي في الإيمان بك وبتوحيدك الخالص ، فإنه مني ، أي على سنتي وطريقتي ، مثل « من غشنا فليس منا » أي ليس على سنتنا ، ومن عصاني فلم يقبل ما دعوته إليه من التوحيد لك وعدم الشرك بك ، فإنك قادر على أن تغفر له وترحمه بالتوبة . وهذا صريح في طلب المغفرة والرحمة لأولئك العصاة غير الكفار ؛ لأنه عليه السلام تبرأ في مقدمة هذه الآية عن الكفار بقوله :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
، ولأنه أيضا بقوله :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي
يدل بمفهومه على أن من لم يتبعه على دينه ، فإنه ليس منه ، ولا يهتم بإصلاح شؤونه ، ولأن الأمة مجمعة على أن الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر غير جائزة ، فكان قوله :
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
شفاعة في العصاة غير الكفار . عن عبد اللّه بن عمرو أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلا قول إبراهيم عليه السلام :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ . .
الآية ، وقول عيسى عليه السلام :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
الآية ، ثم رفع يديه ، ثم قال : « اللهم أمتي ، اللهم أمتي ، اللهم أمتي » وبكى ، فقال اللّه تعالى : اذهب يا جبريل إلى محمد ، وربك