تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
والخلاصة : إن اللّه يغفر للنّاس مع ظلمهم أنفسهم باكتساب الذنوب ، أي ظالمين أنفسهم ، قال ابن عباس : ليس في القرآن آية أرجى من هذه .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ
أي وإنه تعالى شديد العقاب للعصاة . ويلاحظ أنه تعالى قرن حكم المغفرة والرحمة بأنه شديد العقاب ، كما هو شأن القرآن كثيرا ، ليعتدل الرجاء والخوف ، وليكون الإنسان بين الأمل والحذر ، كما قال تعالى :
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ : رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
[ الأنعام 6 / 147 ] وقال :
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ
[ الحجر 15 / 49 - 50 ] وقال :
إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
[ الأعراف 7 / 167 ] ونحو ذلك من الآيات التي تجمع بين الرجاء والخوف . روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيّب قال : لما نزلت هذه الآية :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ
الآية ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لولا عفو اللّه ورحمته وتجاوزه ، ما هنأ أحدا العيش ، ولولا وعيده وعقابه لاتّكل كل أحد » . ثم ذكر اللّه تعالى ما طالب به المشركون النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم من معجزة حسية كالأنبياء السّابقين بقصد التعجيز والإصرار على الكفر والطعن في النّبوة والتشكيك في صحتها فقال :
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا . .
أي يقول المشركون كفرا وعنادا : لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل الأولون ، مثل عصا موسى ، وناقة صالح ، ومائدة عيسى ، فيجعل لنا الصفا ذهبا ، وأن يزيح عنا الجبال ، ويجعل مكانها مروجا وأنهارا . فرد اللّه عليهم الشّبهة بآية أخرى :
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
[ الإسراء 17 / 59 ] أي نخشى تطبيق العقاب على المكذبين ، فإن
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 114 | وهبة الزحيلي