تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
على الإيمان من سعادة الدنيا والآخرة ، اللّه أعلم بما في صدورهم ، فإن كان باطنهم كظاهر هم في الإيمان ، فلهم الحسنى ، وإن حكم إنسان على سرائرهم ، كان ظالما قائلا ما لا علم له به . والمقصود بالآية أن نوحا عليه السلام أخبرهم بتذلله وتواضعه للّه عز وجل . وفي هذا دلالة على الخط الفاصل بين الأنبياء وبين الزعماء ، الأولون يهتمون بإرشاد الناس إلى ما فيه سعادتهم الدنيوية والأخروية دون إغراء بمال أو عطاء نفعي ، والآخرون يعتمدون في كسب الأتباع على الوعود بالمنافع المادية وبذل الأموال رخيصة من أجل كسب تأييدهم . وفيه دلالة على أن النبي بشر لا ملك ، وأنه لا يعلم الغيب وإنما علمه عند اللّه ، كقوله تعالى :
قُلْ : لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا ، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ، وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ
[ الأعراف 7 / 188 ] .

فقه الحياة أو الأحكام :

دلت الآيات على ما يأتي : 1 - دعوة نوح قومه كدعوة سائر الأنبياء إلى عبادة اللّه وإطاعته وحده لا شريك له ، وترك عبادة الأصنام . 2 - الاستمرار على الكفر أو عبادة الأصنام يوجب العذاب الأليم الموجع الشاق في الدار الآخرة . 3 - إن الغالب في إعراض قوم نوح من الأشراف والسادة والكبراء كإعراض كل المكذبين الجاحدين مبني على أعذار واهية ، رأسها الاستكبار والاستعلاء على بقية الناس من الفقراء والضعفاء الذين يتبعون الحق غالبا ، كما قال تعالى :
وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ، وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
[ الزخرف 43 / 23 ] .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 58 | وهبة الزحيلي